الصفحة 16 من 46

لقد رسمت الآيات القرآنية التي ذكرناها في المطلب السابق مشهدًا عامًا للخطوط العريضة لغزوة الخندق، وإنه لمن المفيد أن نتأمل بالعدسة المكبرة للقرآن الكريم ألا وهي السنة المطهرة التي تبين المجمل، وتعيِّن المبهم، وتفسر المشكل، لنزداد إيمانًا بالله تعالى وبآثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولنتأمل بشيء من العمق غاية الكمال الإنساني الذي تمثلَ في صفوة خلق الله صلوات الله وسلامه عليه، وفي ذلك الجيل القرآني الفريد الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولننظر كيف كان الوحي يكلأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام بالرعاية والتوجيه.

وسأعرض هاهنا مواقف محددة ولقطات سريعة في تفاصيل ما أجمله القرآن الكريم, وأشير إلى بعض العبر والعظات المستخلصة منها مع محاولة ربط ذلك بواقعنا المعاصر إن شاء الله:

1.عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر) قالت: كان ذاك يوم الخندق [1] . لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتذاكرون القرآن، وكانوا يتذاكرون السيرة النبوية، وكانوا يعلِّمون مَن بعدهم من التابعين الأحداث العظام التي أثرت في مسيرة الدعوة وبناء الدولة الإسلامية حتى يفهموا القرآن، وتطبيق السنة للقرآن، وحتى يعوا ثقل الأمانة الملقاة على عاتقهم. ولقد كان التابعون على قدر من الوعي تجاه هذه المسؤولية، تأمل ما رواه الإمام الطبري بسنده عن محمد بن كعب القرظي قال:"قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. قال الفتى:"والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، لحملناه على أعناقنا" [2] ."

2.وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أُحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه. [3] لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم المثل الأسمى في تفدية دين الله عز وجل بالأنفس، حتى تسرب هذا السلوك الإيماني إلى الصغار فتشربت به قلوبهم، فلقد كانوا صغار السن لا صغار القدر. وها هو ذا عبد الله بن عمر يعرض نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم الغزوة تلو الغزوة حتى يجيزه، فأجازه لما أتم الخامسة عشرة، أي ما يعادل الصف الأول الثانوي في نظام مدارس اليوم، وهنا نتساءل: ما هي طموحات وأمنيات

(1) صحيح البخاري- كتاب المغازي - حديث 4103

(2) تفسير الطبري - 21/ 127

(3) صحيح البخاري - كتاب المغازي - حديث 4097

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت