ورحيلهم، فعاد إليه بالخبر كما هو، فأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم غاديًا إلى المدينة ووضع السلاح، إلى أن أتاه جبريل عليه السلام يأمره الخروج إلى بني قريظة كما سيأتي في هذا المبحث إن شاء الله. [1]
وسوف أستعرض أهم مشاهد هذه الغزوة العظيمة في المطلبين التاليين من خلال نصوص القرآن والسنة الصحيحة، لأن هذه النصوص قد اشتملت على العبر المقصودة والحكم المتضمنة في هذه الغزوة العظيمة، إذ ليس المقصود هنا الاسترسال في تفاصيل سير المعركة تاريخيًا.
لقد سجل القرآن الكريم هذه الغزوة المباركة تسجيلًا بديعًا، وصوَّر مشاهدها تصويرًا معجزًا يكشف عن خبايا الصدور، فيشخص قلق المسلمين ويبدلهم بذلك أمنًا، ويمدهم لقاء ما بذلوه من أخذٍ بالأسباب أسبابًا ما كانوا ليبلغوها إلا بفضل الله، ويفضح باطل أهل النفاق ويهتك ستورهم، ويعيد تصحيح مفاهيم القوة ومقومات النصر، ويقطع الصلة بين أهل الإيمان وأهل الكفر فلا موالاة بين مسلم وكافر، ولا صمت على غدر غادر.
لقد سجل القرآن الكريم المشاهد الأساسية لهذه الغزوة المباركة في سورة الأحزاب، ويمكن تقسيم هذا السجل القرآني لأحداث الغزوة ومعطياتها إلى خمسة أقسام، مع ملاحظة أن هذه الأقسام والعوامل متداخلة مع بعضها البعض، وليس عرضها بهذا التقسيم إلا بهدف التدبر والدراسة، والله الموفق.
المشهد الأول: زلزال أهل الإسلام، وتميُّز أهل النفاق عن أهل الإيمان:
لقد كانت غزوة الخندق زلزالًا شديدًا على دولة الإسلام الفتية، رغم أنها لم تكن الغزوة الأولى في تاريخ هذه الدولة، فلقد سبقتها غزوتان كبريان هما بدر وأُحد، وعدد من السرايا والمواجهات الأقل حجمًا،
(1) انظر: الفصول (1/ 168 - 171) ، زاد المعاد (( 3/ 243 - 245) ، الرحيق المختوم (1/ 297 - 303)