ولكن ما ميز هذه الغزوة هو استهدافها لكيان الدولة الإسلامية الشامل، إنها غزوة استئصال الإسلام وقلعه من جذوره لكيلا تبقى للإسلام دولة، ولا يبقى لأهله في الأرض صولة ولا جولة.
ولقد صور القرآن الكريم مشهد الزلزال الشديد هذا حيث قال الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرًا. إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتُلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالًا شديدًا. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا) [1] .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"يقول تعالى مخبرا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين في صرفه أعدائهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق" [2] اهـ، وإنه لاستفتاح عجيب معجز؛ أن تصف الآية الكريمة هذه الغزوة وهذا الحصار الشديد وهذه الجيوش المجيشة للقضاء على دولة الإسلام بالنعمة، وليست النعمة هاهنا والله تعالى أعلم مجرد هزيمة الكفار وانحسارهم خائبين خاسرين، بل إن النعمة تتمثل في نفس حصول هذه المواجهة بين معسكر الكفر والإيمان، لأنها كانت مواجهة فاصلة ومرحلة محورية في تثبيت الوجود السياسي لدولة الإسلام، وفي قطع أمل الكفار في استئصال دولة الإسلام الفتية، وتلك نعمة ومنحة عظيمة تضمنتها هذه المحنة، فالحمد لله على سعة علمه وواسع حكمته.
ثم تذكر الآية الكريمة معسكر الكفر ومعسكر الإيمان وتقابل بين الفريقين؛ ففريق الكفر"جنود"جاؤوا بقدر الله وهم مرئيون ظاهرون للعيان، وفريق الإيمان"ريحٌ وجنود لم تروها"أرسلهم الله تعالى بأمره الشرعي وبأمره الكوني. إنها مقابلةٌ عجيبة بين جند الكفر الخارجين عن فطرة الكون الآبقين عن أمر الله الشرعي، وهم مهما كثروا ومهما استعدّوا مجرد جنود محدودي العدد والعدة، أما فريق الإيمان الذين قابلوا جند الكفر فلم يذكر الله تعالى منهم دولة الإسلام الفتية المحاصرة وإنما ذكر خلقًا آخر خفيًا غير مرئي؛ منهم الريح ومنهم الملائكة ومنهم ما لا نعلم من مخلوقات الله تعالى غير المرئية لنا. إن الكفار المحاربين للمسلمين لا يدخلون في معركة بين دولتين من البشر، إن الكفار المحاربين للمسلمين يدخلون في معركة مع الكون، مع مخلوقات الله عز وجل، إنهم يدخلون في معركة مع الله عز وجل ...
(1) سورة الأحزاب: آية 9 - 12
(2) تفسير ابن كثير - 6/ 507