الصفحة 7 من 46

ثم نتدبر في الإعجاز القرآني البديع في وصف مجيء جنود الكفار لحصار المسلمين، حيث قال الله تعالى: (إذ جاؤوكم من فوقكم) أي الأحزاب من قريش ومن معهم من الأحابيش (ومن أسفل منكم) أي يهود بني قريظة [1] ، وإن وصف جهة الفوقية والسفلية في الآية يشير إلى الجهة التي جاء جنود الكفر منها إلى حصار المسلمين، وفيه إعجاز قرآني من جهة استيعاب لفظ الفوقية والسفلية للجهات الحقيقية التي يأتي العدو منها المسلمين اليوم؛ فما يعرف بسلاح الجو والطيران اليوم يمكن أن يندرج في وصف الجنود الآتين من فوق، وما يعرف بسلاح البحرية والغواصات التي ترمي المسلمين من تحت سطح البحر يمكن أن يندرج في وصف الجنود الآتين من أسفل، وفائدة هذه الملاحظة أن يوقن المسلمون أنه كما أحاط لفظ القرآن الكريم بجهات مجيء الكفار قديمًا وحديثًا، فإن الله تعالى محيط بهؤلاء الجنود لا يعجزونه سبحانه وتعالى في أي زمان ومكان، وهذا مما يقوي من عزيمة المسلمين وثباتهم في مواجهة أعدائهم مهما بلغت قوتهم العسكرية، ومهما تعددت جهات قدومهم على المسلمين ومحاصرتهم، والله تعالى أعلم.

ثم إن من تمام نعمة الله تعالى في هذا الابتلاء والموقف العصيب تمايز الناس إلى ثلاث فرق؛ مؤمن ومنافق، وكافر. وإن هذا التمايز نعمة عظيمة لأنه يمكن الدولة الإسلامية من تمييز عدو الخارج (الكفار) ، وعدو الداخل (المنافقين) ، والاحتراز من خطر هؤلاء وهؤلاء. قال الدكتور مهدي رزق الله بعد ذكر آيات هذا المشهد:"فالذين جاؤوا من فوقهم الأحزاب، وبنو قريظة من أسفل منهم، والذين ظنوا بالله الظنونا هم المنافقون، أما المؤمنون فقد صمدوا لهذا الامتحان" [2] اهـ.

ولقد بلغ الخوف والفزع من المسلمين مبلغًا عظيمًا، وهو خوفٌ جِبلّيٌّ لا يقدح في التوحيد وإنما يحكي الطبيعة البشرية، ويصور لنا مدى شدة هذا الهجوم العسكري وخطره.

روى البيهقي عن حذيفة رضي الله عنه قال:"فلقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود، أبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلةٌ قط أشد ظلمةً، ولا أشد ريحًا في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد منا أصبعه" [3] ،

وقال الحافظ ابن كثير في قوله تعالى: (وإذ زاعت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر) "أي: من شدة الخوف والفزغ" [4] .

(1) تفسير ابن كثير - 6/ 512

(2) السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية - مهدي رزق الله 1/ 451

(3) دلائل النبوة - البيهقي - 3/ 451 - 452

(4) تفسير ابن كثير - 6/ 512

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت