قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا. ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا. من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلًا) [1] .
إن هذا المشهد القرآني البديع هو مفخرة المجتمع الإسلامي، إنه ليمثل الصناعة القرآنية في أعلى مراتبها وأعز صورها قيادةً وشعبًا وجندًا.
أما القيادة فحسبك برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:"هذه الآية أصلٌ كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين" [2]
وأما الشعب المؤمن فحسبك منه قولهم: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وتأمل هذا السمو الإيماني وقارنه بما تقدم من تكذيب أهل النفاق القائلين: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا.
وأما الجند المؤمن فحسبك منه الصدق في الموعد والصدق في اللقاء والصدق في الشهادة والصدق في المرابطة على ذلك كله.
إن تجسد مفهوم القيادة الإسلامية والتأسي الصحيح في هذا المشهد القرآني البديع ليزداد وضوحًا من خلال التأمل في بعض المشاهد التفصيلية الواردة في السنة للحال التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة في حفر الخندق وإعداد العدة وقيادة الجند المسلم. إن القائد المسلم ليس ذلك الشخص صاحب الامتيازات الخاصة بالحماية والبعد عن المواجهة، إنما هو القائد القدوة الذي هو أول من تغبر قدماه في سبيل الله، وأول من تكلُّ يداه في سبيل الله، وأول من تسهر عيناه في سبيل الله، وأول
(1) سورة الأحزاب - آية 21 - 23
(2) تفسير ابن كثير - 6/ 517