الصفحة 4 من 46

وكان سبب هذه الغزوة أنه لما أجلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يهودَ بني النضير إلى خيبر، خرج نفرٌ منهم إلى قبائل العرب يؤلبونهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين في المدينة، ووعدوهم بنصرتهم، فأجابتهم قريش، وأتوا غطفان وسليم فواعدوهم على مثل ذلك، واجتمع من قبائل العرب غيرهم بنو أسد وأشجع وفزارة، فوافى الخندق عشرة آلاف من الكفار [1] .

وشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه لما سمع بمقدمهم، وعمل المسلمون بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفر الخندق كما أشار بذلك سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال المباركفوري:"وكانت خطة حكيمة لم تعرفها العرب قبل ذلك" [2] . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين وتحصنوا بالخندق، وجعلوا ظهورهم إلى سَلْع، واستخلف ابن أم مكتوم على المدينة وعلى النساء والذراري [3] .

وحاصر الكفار المسلمين شهرًا، ونقضت بنو قريظة العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فزاد ذلك في شدة الأمر على المسلمين، ونجم النفاق وجاهر أهله به، واجتمعت بذلك أنواع الابتلاءات على المسلمين (وزُلزلوا زلزالًا شديدًا) [4] [5] .

ولم ينشب قتال بين المسلمين والمشركين لأجل ما حال الخندق بينهم، إلا بعض مناوشات في مكان ضيق من الخندق، وكانت أبرز مبارزةٍ فيها بين عمرو بن عبد ود - وكان من شجعان المشركين وأبطالهم - وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله علي رضي الله عنه، وكان فتحًا من الله تعالى [6] . وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين شعارًا في هذه الغزوة فقال:"وإن شعاركم: حم. لا يُنصرون" [7]

وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل نعيم بن مسعود أن يسعى بالتخذيل بين اليهود والمشركين [8] ، وتم له ذلك بحمد الله تعالى، وأرسل الله تعالى على قريش والأحزاب الخَوَر والريح فلا يقر لهم قرار، ولا تثبت لهم خيمة ولا قدر، فرحلت قريش والأحزاب، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ليتثبت من حالهم

(1) انظر: الطبقات الكبرى (2/ 65 - 66) ، زاد المعاد (4/ 241 - 242)

(2) الرحيق المختوم- المباركفوري - 1/ 293

(3) انظر: الفصول (1/ 166) ، والطبقات (2/ 66)

(4) سورة الأحزاب - آية 11

(5) انظر: الفصول (1/ 166 - 167)

(6) انظر: زاد المعاد - (3/ 243)

(7) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (5/ 270) عن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الخندق:"إني لا أرى القوم إلا مبيتيكم الليلة، وإن شعاركم حم لا ينصرون" (حديث 8861)

(8) وستأتي هذه القصة لاحقًا إن شاء الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت