وهنا مسألة فقهية مهمة وهي إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لنعيم رضي الله عنه بأن يقول ما فيه مخالقة للواقع أو حتى التعريض بالمسلمين إذا كان ذلك يعين على خداع العدو وتبقى العهدة على النية الصادقة مع الله تعالى.
2.الذكر والدعاء: تقدم معنا مشهد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، وتقدمت أراجيز الصحابة وهم يحركون الهمم في بعضهم البعض خلال حفر الخندق، وترديد النبي صلى الله عليه وسلم معهم، وهذا مع ما هو معروف من دعاء وذكر الله تعالى في كل الغزوات والمعارك أمرٌ مستفيض، ودوره في الإعداد المعنوي دورٌ أكيد. غير أن ها هنا شبهةً قد تطرأ على البعض، وقد يُلبِّس بها البعض على مكانة الجهاد في سبيل الله في واقعنا المعاصر من بعض من يريد تثبيط همم الشباب عن الجهاد ويريدون دفعهم إلى الزوايا والخلوات، ذلك أنه قد صحت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يُفهم من ظاهرها تفضيل عبادةِ الذِكر على عبادة الجهاد، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا أنبئكم بخيرِ أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعِها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٍ لكم من أن تَلقَوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم. قالوا: بلى. قال: ذكر الله تعالى" [1] ، وعن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما عمل آدميٌ عملًا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله" [2] ، فهذه الأحاديث قد يستشكل بها البعض الترغيب في الجهاد والقتال وبذل النفوس وسفك الدماء في عبادةٍ مفضولة بالنسبة إلى ذكر الله، ولقد حقق العلامة الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله هذه المسألة تحقيقًا نفيسًا فبين أن المراتب ثلاثة، المرتبة الأولى اجتماع الذكر والجهاد وهي أعلى المراتب وهي تحقيق قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون) [3] ، والمرتبة الثانية وهي دون الأولى مرتبة الذكر بلا جهاد، والمرتبة الثالثة وهي دون الثانية مرتبة الجهاد بلا ذكر وهذه المرتبة لا يُشك أنها دون الذِكر المجرَّد لدلالة النصوص على ذلك، قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:"والذاكرُ أفضلُ من هذا (أي من المجاهد الغافل) ، وإنما وُضع الجهاد لأجل ذكر الله، فالمقصود من الجهاد أن يُذكر الله، ويُعبد وحده، فتوحيده وذكره وعبادته هو غاية الخلق التي خُلقوا لها" [4] ، فالخلاصة والجمع بين النصوص ما قاله الحافظ ابن قيم الجوزية:"إن الذاكر المجاهد أفضل من الذاكر بلا جهاد ومن المجاهد الغافل، والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل عن الله تعالى، فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين الذاكرون" [5] .
(1) سنن الترمذي - حديث 3377
(2) مسند أحمد - حديث 22132
(3) سورة الأنفال - آية 45
(4) حاشية ابن القيم - 7/ 127، وبيان المراتب الثلاثة من كلامه رحمه الله بتصرف، وما بين القوسين من كلامي.
(5) الوابل الصيب من الكلم الطيب - ابن قيم الجوزية - 1/ 58