مما اتفق عليه أهل العلم أن ليس لآحاد المسلمين إبرام هذا العهد العام .. وإنما كما ذكر الفراء الحنبلي في الأحكام السلطانية .. أنه لآحاد المسلمين إعطاء الأمان والعهد الخاص بشرط إذن الإمام الأعظم أو ولي الأمر المسلم الحاكم بشرع الله .. لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (المسلمون تتكافأ دماؤهم ... و يسعى بذمتهم أدناهم) وفي صحيح مسلم عن أم هانئ أنها قالت يا رسول الله زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلا أجرته فلان بن هبيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ قالت أم هانئ) ... وما عدا ذلك فلا لذا قال ابن مفلح رحمه الله تعالى: لا تصح إلا من إمام أو نائبه .. وفي أسنى المطالب قال: فيشترط لها أربعة شروط أن يتولاها الإمام أو نائبه ... قال الشارح: إن كانت للكفار مطلقا أو لأهل إقليم كالهند والروم ; لأنها من الأمور العظام لما فيها من ترك الجهاد على الإطلاق أو في جهة ولما فيها من الأخطار ; ولأنه لا بد فيها من رعاية مصلحتنا فاللائق تفويضها للإمام أو نائبه ..
إذًا الإمام الأعظم (الخليفة) إن وجد فهو المناط به هذه المعاهدات وعلى المسلمين التزامها ..
أما الهدنة ومدتها فلا يعلم من أهل العلم مخالف في عدم جواز إطلاقها بل لابد من تحديدها .. إذ إطلاقها وعدم تقييده معارضة صريحة لقول الله تعالى ... (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وغيرها من الآيات التي مرت معنا في الأصل الثالث.
وقد تنازع أهل العلم في التحديد هل يجوز فوق أربعة أشهر .. ؟؟ وإذا زاد هل يجوز أن يتعدى العشر سنين .. ؟ وإذا كانت محددة هل يجوز عقدها ونحن حال القوة .. ؟؟ وإذا عقدناها حال الضعف ثم طرأت القوة علينا .. ؟؟!! هل نفي بالمدة أم ننبذ إليهم على سواء .. ؟؟!!
لذا قال أهل العلم: إن الواجب أن ننبذ العهد إليهم إذا زال سبب الهدنة وهو ضعفنا .. لأن الأصل قتال الكفار والحرب معهم لا السلم ... فإن الأصل بقاء ما كان على ما كان لقوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وقوله تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وغيرها من الآيات التي مرت معنا ..
لذا قال الشافعي رحمه الله تعالى: