الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين . فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم , فأرسلنا عليهم رجزًا من السماء بما كانوا يظلمون . واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت , إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم , كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون) . . . [ الأعراف:161:163 ] .
(وإذ تأذّن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب , إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم) . . . [ الأعراف:167 ] .
فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون:سيغفر لنا , وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه . ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على اللّه إلا الحق , ودرسوا ما فيه ? والدار الآخرة خير للذين يتقون , أفلا تعقلون ? . . . [ الأعراف:169 ] .
أما القرآن المدني فقد تضمن الكلمة الأخيرة في حقيقة ما عليه أهل الكتاب ; كما حكى عنهم أشنع الوسائل وأبشع الطرق في حرب هذا الدين وأهله في قطاعات طويلة من سور البقرة , وآل عمران , والنساء , والمائدة , وغيرها . قبل أن يقرر الكلمة النهائية في أمرهم كله في سورة التوبة . وسنكتفي هنا بنماذج محدودة من هذه التقريرات القرآنية الكثيرة:
(أفتطمعون أن يؤمنوا لكم , وقد كان فريق منهم يسمعون كلام اللّه , ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ? وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا:آمنا . وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا:أتحدثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ? أفلا تعقلون ? أو لا يعلمون أن اللّه يعلم ما يسرون وما يعلنون ? ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيَّ , وإن هم إلا يظنون . فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون:هذا من عند اللّه ليشتروا به ثمنًا قليلًا , فويل لهم مما كتبت أيديهم , وويل لهم مما يكسبون) . . . [ البقرة:75 - 79 ] .
ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل , وآتينا عيسى ابن مريم البينات , وأيدناه بروح القدس , أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم , ففريقًا كذّبتم وفريقًا تقتلون ? وقالوا:قلوبنا غلف . بل لعنهم اللّه بكفرهم فقليلًا ما يؤمنون . ولما جاءهم كتاب من عند اللّه مصدق لما معهم , وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا , فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به , فلعنة الله على الكافرين . بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل - اللّه - بغيًا أن ينزل اللّه من فضله على من يشاء من عباده - فباءوا بغضب على غضب , وللكافرين عذابمهين . وإذا قيل لهم:آمنوا بما أنزل اللّه , قالوا:نؤمن بما أنزل علينا , ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقًا لما معهم . قل:فلم تقتلون أنبياء اللّه من قبل إن كنتم مؤمنين !) . . . [ البقرة:87 - 91 ] .
(قل:يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات اللّه ? واللّه شهيد على ما تعملون . قل:يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل اللّه من آمن تبغونها عوجًا وأنتم شهداء ? وما اللّه بغافل عما تعملون) . . . [ آل عمران:98 - 99 ] .
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت , ويقولون للذين كفروا:هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا ? أولئك الذين لعنهم اللّه , ومن يلعن اللّه فلن تجدله نصيرًا . . . [ النساء:51 - 52 ] .
لقد كفر الذين قالوا:إن اللّه هو المسيح ابن مريم . وقال المسيح:يا بني إسرائيل اعبدوا اللّه ربي وربكم , إنه من يشرك باللّه فقد حرم اللّه عليه الجنة , ومأواه النار , وما للظالمين من أنصار . لقد كفر الذين قالوا:إن اللّه ثالث ثلاثة , وما من إله إلا إله واحد , وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم . أفلا يتوبون إلى اللّه ويستغفرونه واللّه غفور رحيم . ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل , وأمه صديقة , كانا يأكلان الطعام . انظر كيف نبين لهم الآيات , ثم انظر أنى يؤفكون ! . . . [ المائدة:72-75ه ]
من مراجعة هذه النصوص القرآنية وأمثالها - وهو كثير في القرآن المكي والمدني على السواء - يتبين أن النظرة إلى حقيقة ما عليه أهل الكتاب من الانحراف عن دين اللّه الصحيح لم يتغير فيها شيء في التقريرات الأخيرة الواردة في السورة الأخيرة . وأن وصمهم بالانحراف والفسوق والشرك والكفر ليس جديدًا , ولا يعبر عن اتجاه جديد فيما يختص بحقيقة الاعتقاد . . وذلك مع ملاحظة أن القرآن الكريم ظل يسجل للفريق المهتدي الصالح من أهل الكتاب هداه وصلاحه . فقال تعالى منصفًا للصالحين منهم: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) . . . [ الأعراف:159 ] .