ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك , ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا , ذلك بأنهم قولوا:ليس علينا في الأميين سبيل , ويقولون على اللّه الكذب وهم يعلمون . . . [ آل عمران:75 ] . ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من اللّه وحبل من الناس , وباءوا بغضب من اللّه , وضربت عليهم المسكنة , ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات اللّه , ويقتلون الأنبياء بغير حق , ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . ليسوا سواء:من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات اللّه آناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون باللّه واليوم الآخر , ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات , وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ; واللّه عليم بالمتقين . . . [ آل عمران:112 - 115 ] .
أما الذي وقع فيه التعديل فعلًا فهو أحكام التعامل مع أهل الكتاب . فترة بعد فترة . ومرحلة بعد مرحلة . وواقعة بعد واقعة . وفق المنهج الحركي الواقعي لهذا الدين في مواجهة أحوال أهل الكتاب وتصرفاتهم ومواقفهم مع المسلمين .
ولقد جاء زمان كان يقال فيه للمسلمين: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن - إلا الذين ظلموا منهم - وقولوا:آمنا بالذي أنزل إلينا(وأنزل إليكم , وإلهنا وإلهكم واحد , ونحن له مسلمون) . . . [ العنكبوت:46 ] .
(قولوا آمنا باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط , وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم , لا نفرق بين أحد منهم , ونحن له مسلمون . فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا , وإن تولوا فإنما هم في شقاق , فسيكفيكهم اللّه , وهو السميع العليم) . . . [ البقرة:136 - 137 ] .
(قل:يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم:ألا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئًا , ولا يتخذ بعضنا بعضًا أرباباًَ من دون اللّه . فإن تولوا فقولوا:اشهدوا بأنا مسلمون) . . . [ آل عمران:64 ] .
(ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق , فاعفوا واصفحوا حتى يأتي اللّه بأمره , إن اللّه على كل شيء قدير) . . [ البقرة:109 ]
ثم أتى اللّه بأمره الذي وكل المؤمنين إليه ; فوقعت أحداث , وتعدلت أحكام , وجرى المنهج الحركي الواقعي الإيجابي في طريقه حتى كانت هذه الأحكام النهائية الأخيرة , في هذه السورة , على النحو الذي رأينا . . .
إنه لم يتغير شيء في نظرة هذا الدين إلى حقيقة ما عليه أهل الكتاب من فساد العقيدة ; ومن الشرك باللّه والكفر بآياته . . إنما الذي تغير هو قاعدة التعامل . . وهذه إنما تحكمها تلك الأصول التي أسلفنا الحديث عنها في مطلع هذا الفصل التمهيدي لهذا المقطع من سياق السورة , في هذه الفقرات:
"وهذا التعديل الأخير في قواعد التعامل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب لا يفهم على طبيعته , إلا بالفقه المستنير لطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج اللّه ومناهج الجاهلية من ناحية . ثم لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي ومراحله المتعددة , ووسائله المتجددة , المكافئة للواقع البشري المتغير , من الناحية الأخرى . . . الخ".
والآن نأخذ في شيء من استعراض طبيعة الموقف بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم سواء من الناحية الموضوعية الثابتة , أو من ناحية المواقف التاريخية الواقعة . . . فهذه هي العناصر الرئيسية التي انتهت إلى هذه الأحكام النهائية .
إن طبيعة الموقف بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم يجب البحث عنها اولًا:
في تقريرات اللّه - سبحانه - عنها , باعتبار أن هذه هي الحقيقة النهائية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ; وباعتبار أن هذه التقريرات - بسبب كونها ربانية - لا تتعرض لمثل ما تتعرض له الاستنباطات والاستدلالات البشرية من الأخطاء . . وثانيًا:في المواقف التاريخية المصدقة لتقريرات اللّه سبحانه !
إن اللّه سبحانه يقرر طبيعة موقف أهل الكتاب من المسلمين في عدة مواضع من كتابه الكريم . . وهو تارة يتحدث عنهم - سبحانه - وحدهم , وتارة يتحدث عنهم مع الذين كفروا من المشركين ; باعتبار أن هنالك وحدة هدف - تجاه الإسلام والمسلمين - تجمع الذين كفروا من أهل الكتاب والذين كفروا من المشركين . وتارة يتحدث عن مواقف واقعية لهم تكشف عن وحدة الهدف ووحدة التجمع الحركي لمواجهة الإسلام والمسلمين . . والنصوص التي تقرر هذه الحقائق من الوضوح والجزم بحيث لا تحتاج منا إلى تعليق . . وهذه نماذج منها . .
(ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم) . . . [ البقرة:105 ] .
(ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدا من عند أنفسهم , من بعد ما تبين لهم الحق) . . . [ البقرة:109 ] .
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) . . . [ البقرة:120 ] .