أما ترتيب فصول التعاون وتجسيد الاحترام، وتسويد المحبة، وتحييد العنف والكراهية والحقد مما سنشهده لاحقًا (1) ، فقد كان صناعة من صناعات الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوظيفًا من توظيفاته الكثيرة بعد أن تراجعت البشرية إلى أدنى مستوى لها، وانحدرت إلى أسفل هاوية.
هذا ولأن تأصيل السنة للعلاقات، وتوظيفها للأحداث مع هذا الآخر مترامية الأطراف، وموزعة هنا وهناك، ولها جذور وفروع شتى يصعب الإلمام بها دفعة واحدة فسأقصر البحث وأركزه على نوع واحد من هذه العلاقات ألا وهي العلاقة السياسية، وسأربطه بما لا بد من ذكره من أنواع أخرى، ومما يحتاج إليه من تصنيفات ضرورية كلما لزم الأمر.
المبحث الأول: أصل علاقة المسلمين السياسية مع غيرهم المؤصلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية
المتمعن في تعليمات السنة النبوية وثوابتها يجد أن الأصل في علاقة المسلمين مع غيرهم من الأمم والشعوب هو السلم لا الحرب، وحتى يتسم كلامنا بالدقة والموضوعية أكثر فأكثر نطرح الطروحات والآراء التالية التي عول عليها كثير من كتاب السنة والفقه حيث توصلوا من تقسيماتهم واختلافاتهم في هذا إلى نتائج باهرة جديرة بالتنبية والتأمل وهي كالتالي:
أولًا: يرى كثير من الفقهاء والكتاب المسلمين أن أصل العلاقة السياسية بين المسلمين وغيرهم التي رتب قواعدها القرآن الكريم، وأرست دعائمها السنة النبوية وباركتها هو السلم، بل السلم دائمًا وأبدًا، وقد جنح إلى هذا الرأي الإمام سفيان الثوري والإمام الأوزاعي وغيرهم، وقد صرحوا بأن القتال مع المشركين لا غرض فيه، ولا معنى له ما لم تكن البداية منهم، عندها يجب قتالهم، وذلك دفعًا للأذى لقوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) (2) .
(1) عند الكلام عن أصل العلاقات بين المسلمين والشعوب والأمم الأخرى في المبحث الثاني.
(2) سورة التوبة، آية36.