5.…الدعوة إلى استغلال الطاقات والتأمل والتفكير والتدبّر العميق في كتاب الله المنظور والمسطور، فينظر في كلّ ما حوله من إبداع ليقوده إلى معرفة بديع السموات والأرض، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله" (1) . فهذا المنطوق النبوي يدعونا للتفكير في الخلق الذي يقود للعلم والتكنولوجيا، بموازاة إبداعية الله في العالم، ويحذرنا من التفكير في الذات الإلهية التي تعلو على الأفهام، وتستعصي على القدرات البشرية، وهو التفكير الذي يقود إلى ما الماورائيات، وما يتمخص عن هذا كله من هدر للطاقة العقلية فإنه يريدنا أن نتعامل مع الكتلة العمرانية، وأن نكشف عن قوانينها لتنمية الحياة التي سُخرت إمكانياتها للإنسان (2) .
…ولعلَّ هذه العناصر مجتمعة تشكّل أبرز معالم المنهج النبوي في صناعة الشخصيات الإبداعية، لكي تحرز مرتبة الإحسان والإبداع والتفوق النوعي لتجاوز واقع الشلل والعجز ليقوم العلم بوظيفته المزدوجة. استجابة للقاعدة الفقهية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ، فالوظيفة الأولى للعمل وفقًا لهذه القاعدة الآنفة ذكرها، هي: فريضة تبليغ الدعوة الإسلامية إلى المعمورة كافة قاصيها ودانيها، حتمًا حسب القدرات والإمكانات المتاحة، والعلم هو الأداة الحتمية لتحقيق هذه الفريضة في عصر المعرفة والعلم، وليس أدلُّ على ذلك من الأفواج التي تدخل في دين الله من خلال مؤتمرات الإعجاز العلمي للقرآن والنتائج العلمية المذهلة التي يؤكدها ديننا، واتباع الأساليب البصيرة المستندة إلى العلم.
(1) …فتح الباري، ج13، ص383، موقوف وسنده جيد . أورده العجلوني، إسماعيل بن محمد، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1985، رقم 1005، ج1، ص 371وفي رواية:"تفكرو في خلق الله ، ولاتفكرو في الله".
(2) …عماد الدين خليل، مدخل إلى الحضارة الإسلامية، ص 73.