…والاجتهاد سبب من أسباب التجديد في الإسلام، وشاهدًا على حضور العقل الإبداعي، المتوقد الفعّال"ومن دلائل صلاحية الشرعية للتطبيق واحترامها للعقل، وحضّها على التفكير والنظر، ودفعها نحو العمل الدؤوب، والفهم، واليقظة المتحررة، والعطاء المتجدد، وذلك شأن الوحي القرآني كلّه يعتمد في الفهم والتطبيق أو الوعي والامتثال على عقول المفكرين وإبداع المتجهدين، ونظريات العلماء وسواء في مجال تكوين أصول عقيدة المسلم أو غرسها، أم في نطاق استنباط الأحكام الشرعية، أم في محور النظريات الكونية واستثمار منافع الكون والانتفاع بخبراته التي أودعها الله سبحانه خدمة لبني الإنسان" (1) .
…وخلاصة القول، إذا أردنا أن نكثّف عن معطياتنا الحضارية لنخرج من الترهل فما علينا إلا أن نعيد فاعلية الاجتهاد المؤسسي لتملك زمامة طلائع من الفئة المبدعة التي تجمع مقومات الشخصية الإسلامية بإطارها المتوازن: الإخلاص والنبض الإيماني المتدفق والكفاءة العلمية كل ضمن تخصصه، لأن ذلك يحتم علينا الانفتاح على المعارف الإنسانية، وكلّ علم تحتاج له الأمة لدفع عجلة الحياة الإسلامية نحو"المشروع الحضاري الإسلامي العالمي"، ويستدعي ذلك وقفةٌ متأنيةٌ لجغرافيا الفكر الإسلامي لحصر طاقاته، لنخرج من قوقعة الانتظار إلى آفاق الفعل والبناء ونتجاوز محنة فن الإبداع في دفن وإقصاء الطاقات الإبداعية تارة أو محنة (الأدمغة المهاجرة) أطوارًا أخرى.
…فهذه العناصر السالف ذكرها هي أبرز معالم منطلقات ومبادئ بناء الشخصية الإبداعية من السنة النبوية، وإن كان هناك عناصر أخرى لا ينتقص من أهميتها، ولكن مساحة الدراسة لا تسمح بتناولها.
(1) …وهبة الزحيلي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، مؤتمر الفقه الإسلامي، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1396هـ، نشر إدارة الثقافة، جامعة مجمد بن سعود في الرياض، السعودية، 1400هـ- 1981م، ص 165-166.