"فطائفة قالت: لا يقبل الخبر إلا من جميع أهل المشرق والمغرب، وقالت طائفة: لا يقبل أقل من ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، عدد أهل بدر، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من سبعين، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من خمسة، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من أربعة، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من ثلاثة --- وقالت طائفة: لا يقبل إلا من اثنين" (1)
…وتنحصر آراء المالكية في جملة ما عده ابن حزم هنا، إذ ذهب الباجي إلى القول أنه لابد أن يزيد العدد على أربعة (2)
وخالفه ابن الحاجب من المالكية في ذلك قائلا:
…"وقيل غير منحصر في عدد مخصوص وهو الصحيح" (3)
…ويقوم رأي الباجي على أسس تستمد صلاحيتها من أصول المذهب المالكي، انطلاقا من القول المشهور عن الإمام مالك في أخبار الآحاد: إنها توجب العمل دون العلم، يقول الباجي:
"علمنا أن الواحد والاثنين يخبروننا كما شاهدوه واضطروا إليه، فلا يقع لنا العلم بصدقهم، ولذلك لا يقع للحاكم العلم بخبر أحد المتداعين، ولا بد أن احدهم صادق، ولو كان العلم يقع بخبر الواحد لوجب أن يضطروا إلى صدق الصادق منهم وكذب الكاذب" (4)
…إلا أن هذا الرأي لاقى اعتراضات شديدة من طرف ابن حزم لاعتبارات شرعية ومنهجية، فأما الشرعية فإن الحصر عنده لا يستند على أمر شرعي من نص أو إجماع، وقد ذكر تعالى في القرآن أعدادًا غير هذه، فذكر تعالى الواحد، والاثنين، والثلاثة، والأربعة، والمائة ألف، وغير ذلك، ولا فرق بين ما تعلق بعدد منها ولم يأت من هذه الأعداد في القرآن شيء في باب قبول الأخبار ولا في قيام حجة بهم" (5) "
…أما المنهجي فيقوم على مبدأ الضرورة والمقصود بها كما شرحها ابن حزم حيث قال:
(1) ابن حزم / الإحكام /ج 1، ص 117 )
(2) إحكام الفصول / ص 323 )
(3) منتهى الوصول / ص 70 )
(4) إحكام الفصول / ص 324 )
(5) ابن حزم / الإحكام / ج 1، ص 118 )