"إذا جاء اثنان فأكثر من ذلك وقد تيقنا أنهما لم يلتقيا ولا دسسا ---، وذكر كل واحد منهم مشاهدة أو لقاء لجماعة شاهدت أو أخبرت عن مثلها بأنها شاهدت، فهو خبر صدق يضطر بلا شك من سمعه إلى تصديقه، ويقطع على غيره" (1)
…والمراد هنا إذا كانت الضرورة تفرض قبول الخمسة والأربعة، فإنها تفرض أيضا قبول ما دونها أو أكثر من ذلك، فخبر التواتر كما يقع بالعدد الكثير يقع بالعدد القليل، ولا فرق كما يقع بالواحد أيضا من غير عدد ولا حصر.
…ويبدو أن الخلاف بين الظاهرية والمالكية منحصر وبشكل أساسي في طريقة توظيف الخبر، ونقصد بذلك خبر الآحاد من حيث إفادته للعلم أو عدمه، وهو موضوع العنصر التالي.
خبر الآحاد:
يظهر النقاش بين المالكية والظاهرية حول خبر الآحاد نوع الفوارق المنهجية التي تفصل المذهبين، ونوع الخصوصية التي يتمتع بها كل منهما.
…وإذا كان المذهبان يتفقان على اعتبار خبر الآحاد حجة مقطوع بها، فإنهما لا يتفقان فيما يخص علاقة خبر الآحاد بالعلم، الأمر الذي لا يمكن فهمه إلا من خلال المنطلقات المنهجية لكل مذهب وانقسموا لذلك قسمين:
…قسم رأى أن خبر الأحاديث يوجب العلم والعمل معا وهو رأي الظاهرية على الخصوص"إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوجب العلم والعمل معا وبهذا نقول" (2)
…وقسم رأى بأنه يوجب العمل دون العلم، ومنهم الحنفية، والشافعية، والمالكية، إذ هو الرأي الذي عليه الإمام مالك"فإن مذهب الإمام مالك في أخبار الآحاد أنها توجب العمل دون العلم" (3)
(1) المصدر السابق / ج 1، ص 120 )
(2) ابن حزم / الإحكام / ج 1، ص 132 )
(3) منتهى الوصول / ص 71 )