…إلا أنه بالرغم من هذه الأهمية التي يوليها المالكية لخبر الآحاد، فهو لا يتبوأ مكانة مرموقة بين أصولهم، ومحل هذا الكلام أن أصولي المذهب المالكي حرصوا على تقديم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد، وذلك من باب تقديم المتواتر، وسواء كان خبر أهل المدينة قائما على اجتهاد أو على غيره رغم الاختلاف الحاصل بينهم حول هذا الأمر، ذلك آن أكثر البغداديين قالوا: بأنه ليس بحجة فيقدم عليه خبر الواحد، وذهب آخرون عكس ذلك. (1)
…إن الذي يمكن أن ننبه عليه هنا أن هذا الموقف المحدد سلفا من خبر الآحاد سواء عند المالكية أو الظاهرية، لا يمكن عده موقفًا جامدًا ونهائيًا يقف عند الحدود الأصولية التي تميز المذهبين، بل يتجاوز ذلك إلى ما يمكن أن نصفه بالتحولات النوعية على الصعيد المعرفي.
…ذلك أن موقف الظاهرية من الموضوع يستمد قوته من معالم وأدوات المنهج الظاهري في البحث، فالمنهجية الظاهرية ترفض كل ما من شأنه أن يشكل خرقًا لمنظومتها، فإذا اتصل برواية العدول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجب العمل والعلم به.
وقد رد ابن حزم في هذا الصدد على حجج المالكية وخصوصًا تلك التي نجدها عند الباجي والقائمة على مبدأ العدد والقائلة"لا يمتنع أن يجب العمل بما لم يقع به العلم؛ كشهادة الشهود، وقول المفتي، فإنه يجب العمل بذلك كله وإن لم يقع به العلم" (2)
…فابن حزم رأى أن لا دخل للعدد في حجية العلم والعمل بخبر الآحاد، إذ لا أساس عنده لدعوة الباجي القائمة على أن تسرب الظن إلى خبر الواحد كتسرب الكذب إلى خبر الشاهد، إذ عناصر الموضوع عند الباجي قائمة على الخلط والمزج - فبين خبر الآحاد وخبر الشاهد فروق واضحة يخضع فيها خبر الآحاد للموضوعية، بينما يخضع الثاني للذاتية، ومن هذه الفروق:
(1) مذكرة في أصول الفقه / ص 117 )
(2) إحكام الفصول / ص325 )