"إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا، وسقوا، ورعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك الماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني الله به، فعلم وعلم من لم يرفع بذلك رأسًا" (1)
…وإن دل هذا الحديث على شيء، فإنما يدل على أن للعلماء مراتب، وهي لا تعدو مرتبتان، فأما الأرض الطيبة النقية فهمي كمثل الفقيه الضابط لما يروي - الفهم للمعاني التي يقتضيها لفظ النص- وأما الأجادب الممسكة للماء، والتي تسقي الناس فهي مثل طائفة حفظت ما سمعته وضبطته كتابة، فأدته إلى غيرها من دون تغيير إذا اكتفت بالتغيير. (2)
…انطلاقا من هذا الفهم يمكن أن نصنف رأي المالكية القاضي بعدم اشتراط التفقه في الحال الثانية، لافتقار أفرادها لمغزى الألفاظ، وما روته من معاني.
…ولذلك يفسر ابن حزم قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -"فرب حامل فقه ليس بفقيه" (3)
من باب من لم يحفظ ما سمع، فهو بمنزلة القيعان التي لا تنبت الكلأ ولا تمسك الماء. (4)
ويتضح من خلال هذا النقاش أن التفاسير المعطاة لمبدأ التفقه عند المالكية أو الظاهرية ليست تفسيرات مختلفة أو متضاربة كما قد يبدو، فلقد قال الباجي: من شروط التفقه أن يضبط ويعي ما سمع، وهذا تعبير لا يخالف مفهوم التفقه عند ابن حزم .
الشرط الثاني: العدالة
(1) البخاري/الصحيح/ كتاب العلم/ باب فضل من علم وعلم) (مسلم/ الصحيح/ كتاب الفضائل/ باب بيان مثل)
(2) ابن حزم / الإحكام / ج 1، ص 156 )
(3) الترمذي / السنن / أبواب العلم / باب الحث )
(4) ابن حزم / الإحكام / ج 1، ص 156 )