فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 1114

، وقصة حاطب بن أبي بلتعة أحد هذه النماذج تجسد المرونة التي كان يسلكها النبي الكريم.

…ولعل هذه المرونة تتجسد في خطوات العلاج التي اتبعها النبي الكريم في الحد من مخاطر حركة النفاق بالرغم من أن القرآن الكريم قال فيهم قولته الفصل، وأنهم أشد خطرا؛ لذا فهم في الدرك الأسفل من النار، وبالرغم من تكرار اعتداءاتهم التي تنوعت ووصلت إلى بيت النبوة وعرضه، إلا أن النبي الكريم يجسد لنا موقف المرونة، فقد استمروا طيلة الفترة المدنية، ولو تتبعنا العلاج الذي كان ينهجه النبي الكريم لوجدنا أنه كان يهدف إلى الإصلاح النفسي فقد كان يعاملهم بظواهرهم، رغم طول المدة التي أجلت أمرهم، وكثرة الآيات النازلة في بيان شأنهم وقد لمسنا العلاج الرباني أولا متجه إلى الإصلاح النفسي، حيث لم يرد اسم منافق بعينه في القرآن.

…وخلاصة الأمر أن هذا النهج الذي سلكه النبي الكريم كان قد حقق آثارا إيجابية ضخمة، فقد كان كفيلا بالقضاء على هذه الحركة مع تجاوز كثير من السلبيات التي كانت متوقعة، وفي هذا الإطار نستطيع فهم قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعمر - الذي طالما طالب بقتل المنافقين حمية لدين الله - أخيرا: « أين عمر ؟ لو قتلنا هؤلاء يوم طلب عمر لأرعدت لهم أنوف تريد اليوم قتلهم » (1) . ولعل هذا المنهج هو الذي أدى إلى قتلهم معنويا، من غير حاجة إلى قتل أي فرد منهم حسيا (2) .

وختاما يمكن القول بأن البناء الذي أراده الرسول لأبنائه هو بناء محكم متكامل متوازن متدرج في الرقي والسمو، يهدف إلى بناء جيل حضاري قادر على قيادة البشرية وتسلم الأمانة التي شقت على السموات والأرض والجبال، إنها أمانة الخلافة والتمكين، نسأل الله تعالى أن يمكن لهذه الأمة وأن يهيئ لها من يسلمها دور القيادة والريادة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

(1) انظر سيرة ابن هشام، ج4/256.

(2) للمزيد حول نهج النبي الكريم في معالجة حركة النفاق انظر كتاب الحكمة: 1/34

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت