لم يذكر علماء أصول الفقه القواعدَ الفقهيّة بين مصادر الأدلّة المتّفق عليها، ولا بين مصادر الأدلة المختلف فيها. وهذا وحده كافٍ للدلالة على إنّهم لم يجعلوها مصدرًا من مصادر أدلة الأحكام. ولم يُفْرِدْ أحد من العلماء غير المعاصرين هذه المسألة بمبحث مستقلّ حتى ولو كان صغيرًا. إلا أنّ المعاصرين بدأوا يفردونها بمباحث مستقلّة (1) . بيد أن كتب العلماء السابقين لم تخل من إشارات وعبارات قليلة تخصّ هذا الموضوع. قال إمام الحرمين الجويني (2) :"أضرب من قاعدة الشرع مثلين.. ولست أقصد الاستدلال بهما، فإنّ الزمان إذا فُرِضَ خاليًا عن التفاريع والتفاصيل لم يستند أهل الزمان إلا إلى مقطوع به". وقال الحموي (3) نقلًا عن ابن نُجيم:"لا يجوز الفتوى بما تقتضيه الضوابط، لإنّها ليست كليّة، بل أغلبيّة". وقال العلامة علي حيدر (التركي) (4) :"فحكّام الشرع ما لم يقفوا على نقلٍ صريح لا يحكمون بمجرّد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد". وقال الشيخ مصطفى الزرقا (5) :"القواعد الفقهيّة قلّما تخلو إحداها من مستثنيات في فروع الأحكام التطبيقيّة خارجةً عنها ومن ثمّ لم تُسوغ المجلّة أن يقتصر القضاة في أحكامهم على"
(1) انظر: الندوي، القواعد الفقهيّة: ص 293: المبحث الثاني: هل يجوز أن نجعل القاعدة الفقهيّة دليلًا يُستنبط منه الحكم. والبورنو، موسوعة القواعد الفقهيّة: 1/44: المقدمة السادسة: حكم الاستدلال بالقواعد الفقهيّة على الأحكام. والباحُسين، القواعد الفقهيّة: ص 273، الفصل السادس: دليليّة القواعد الفقهيّة. والميمان، علم الكليّات الفقهيّة: ص 65: المبحث الثاني: حجيّة الكليّات الفقهيّة.
(2) الغياثي: 2/499.
(3) غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر: 1/17.
(4) دُرر الحكّام شرح مجلة الأحكام: 1/10.
(5) شرح القواعد الفقهيّة للشيخ: أحمد الزرقا: ص 34-35، تحت عنوان لمحة تاريخية عن القواعد الفقهيّة الكليّة بقلم مصطفى الزرقا.