ويتجلى الأدب الجمُّ في سيرة الصحابة رضوان الله تعالى عنهم، في غزوة بدر، من خلال ذلك الجواب العظيم الذي نطق به المقداد، رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ قال: (يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:"فاذهب أنت وربُّك فقاتلا، إنَّا ههنا قاعدون"، ولكن امضِ ونحن معك....) . (1) وفي تمام الرواية: أنه صلى الله عليه وسلم: سُرِّي عنه، وذلك هدف عظيم، وفوز كبير تحقق للصحابة بما تحلَّوا به من أدب الخطاب تجاهه، صلى الله عليه وسلم.
وختامًا لا يفوتنا أن نشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد أحكم تأديب الخطاب باختيار الألفاظ الصائبة التي ربّى بها أمته على النهج القويم. ومن ذلك ماجاء عن الرّبيع بنت معوذ رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم، غداة بُنِيَ عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضرِبْنَ بالدفِّ يندبْنَ من قُتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غدِ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين) . (2)
المطلب الثاني: آداب التخاطب في المجال الاجتماعي:
بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم، رحمة للعالمين؛ فحمل على عاتقه مسئولية الدعوة والتربية والتعليم، وعَمِلَ على توعية الأمة، والارتقاء بها إلى الخيرية المُقرّرة في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) . (3)
(1) المرجع السابق، كتاب التفسير، باب: (4) (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) . رقم: (4609) . ص: (632) .
(2) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب: (11) : شهود الملائكة بدرًا، الحديث رقم: (4001) ، ص: (544) .
(3) سورة آل عمران: آية: (110) .