وقد يتطلب أدب التخاطب مع المجتمع، تعميم الخطاب، ثم تخصيص السبب، ليؤدي وظيفتان: أولهما: بيان المرغوب بيانه من الإرشاد، ثم بيان الخطأ في حدِّ ذاته، ليعيَ المخاطَب من بين أفراد المجتمع، أن توجيه المجتمع كان بسبب فعله، فيبادر إلى إصلاحه، كي لا يُحْوِج الموجِّه إلى توجيه الإرشاد إليه هو خاصة. ولِيَعيَ المجتمع في الوقت نفسه وجه الخطأ في بعض السلوكيات التي تصدر عن بعضهم؛ فيرتقي بسلوكه. وفي الحديث الشريف الآتي ما يوضح ذلك:
ورد عن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: (جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسعِ أواقٍ، في كل عام وَقِيَّةٌ، فأعينيني، فقالت عائشة: إنْ أحبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها لهم عَدَّةً واحدةً وأُعْتِقَكِ فعلتُ، ويكونَ ولاءُكِ لي، فذهبَتْ إلى أهلها فأبوا ذلك عليها، فقالت: إني قد عرضتُ ذلك عليهم، فأبوا إلا أن يكون الولاءُ لهم، فسمعَ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألني فأخبرتُهُ، فقال:"خذيها فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق"قالت عائشة: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الناس، فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال:"أمّا بعدُ، فما بال رجال منكم يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فأيُّما شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإنْ كان مئةَ شرطٍ، فقضاء اللهِ أحقُّ وشرطُ الله أوْثَقُ، ما بال رجال منكم يقول أحدهم: أعتق يا فلان، وليّ الولاء، إنّما الولاءُ لمن أعتق") . (1)
(1) صحيح البخاري؛ كتاب المكاتب، باب: (3) : استعانة المكاتب وسؤاله الناس. الحديث رقم: (2563) . ص: (339) .