…قال الحافظ ابن حجر: (قوله: من محمد: فيه أن السنة أن يبدأ الكتاب بنفسه، وهو قول الجمهور) . (1) وبالتأمل في ميزة البدء بذكر المرسلُ اسمَه أولًا، نلحظ أهمية ذلك في التعريف بالنفس قبل البدء في طرح الموضوع المراد، وهو ذوق خطابي يتم من خلاله تقدير المخاطَب؛ فالنفس الإنسانية تحتاج إلى أن تألفَ الآخر لتُنصِت إلى مقاله، والتعريف بالنفس يؤدي ذلك الغرض.
…ثم جاءت المفردات التالية في كتابه صلى الله عليه وسلم، تُكمّل ذلك المعنى؛ فقوله عليه الصلاة والسلام: (إلى هرقل عظيم الروم) متضمِّنٌ (إكرامًا لمصلحة التّألف) ، (2) وكذلك قوله: (سلام على من اتبع الهدى) أفاد أن السلام من الله تعالى، هو من نصيب الذين يتبعون الهدى. وفيه ترغيب لطلب الهداية واتباع الحق.
فهذه أساليب ثلاثة: التقدير والاحترام من خلال التعريف بالنفس، والتقدير بنسبة اللقب المناسب، والدعوة للحق بإظهار منزلة الحق ورتبته.
المبحث الرابع:معالم حضارية في ظل أدب التخاطب:
…إن أدب التخاطب في السنة النبوية، قيمة حضارية ذات مدلول واضح على خيريّة أمة الإسلام ووسطيتها، لما حظيت به آداب التخاطب من رعاية ظهرت في الأسلوب التربوي للرسول صلى الله عليه وسلم، في ترقيته لها، وتنقيتها مما يشوبها من الشوائب الكلامية والسلوكية، وفيما تأكد بصورة جلية في سُنّتِهِ المطهّرة من سمات الذوق والرقي في التخاطب الإنساني. وتمثل هاتان الحقيقتان صدق التربية الإسلامية وفاعليتها في هذا الجانب، وفي الوقت نفسه، تُبيّنُ عظمة التربية النبوية مما أسهم به الرسول صلى الله عليه وسلم بتربيته لأمته.
وفيما يأتي تمت مناقشة هذا الأمر بشيء من التفصيل:
المطلب الأول: ترقية أساليب التخاطب، وتنقيتها من الشوائب:
(1) فتح الباري: (1/55) .
(2) المرجع السابق.