أما موقفه صلى الله عليه وسلم، تجاه يهود، الذين كانوا يُلبِّسون عليه القول، لإيذائه؛ فلم يكن يجيب جهالتهم بجهالة مثلها، فهو أعظم من ذلك وأعقلْ؛ فكان جوابه عليه الصلاة والسلام، ذا أدب وحكمة، حفظ به لسانه من الامتهان وسوء التّوجُّه في المقال.
جاء عن عائشة رضي الله عنها: أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السّامُ عليكم، قال:"وعليكم". فقالت عائشة: السّام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مهلًا يا عائشة، عليكِ بالرِّفق وإياك والعُنْف أو الفحشَ"قالت: أولمْ تسمع ما قالوا؟ قال:"أولمْ تسمعي ما قلت؟ ردَدْتُ عليهم فيُستجاب لي فيهم، ولا يُستجابُ لهمْ فيَّ"). (1)
أمّا صفته الخطابية صلى الله عليه وسلم، عند المعتبة فتتجلى فيها سمات الرّقي التي ينبغي أن تُحتذى، بل ويُعَضُّ عليها بالنواجذ. قال أنس رضي الله تعالى عنه: (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحشًا ولا لعّانًا، ولا سبّابًا، كان يقول عند المَعْتَبَةِ:"ما لَهُ تَرِبَ جَبينُهُ") . (2) فهي عبارة رفيعة المعنى، وإن كان مفهوم ظاهرها هو التصاق التراب بالجبين، إلا أنها في الوقت نفسه شبيهة بما يحدث للساجد حين سجوده لله تعالى على الأرض الترابية، وذلك تشريف له وليس امتهان.
وجميع ما ذُكرَ أعلاه غيضٌ من فيض، فهو باب واسع، زخرت به السيرة العطرة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفِلتْ به حياته الكريمة في مواقف كثيرة. أما ما تمّ الاقتصار على ذكره، فليس إلا للتدليل على صدق ذلك وثبوته في سنّته المطهّرة. ……
المطلب الثاني: سمات الذوق والرقي في التخاطب:
(1) المرجع السابق؛ كتاب الدعوات، باب: (62) : قول النبي صلى الله عليه وسلم:"يستجاب لنا في اليهود، ولا يُستجاب لهم فينا"، الحديث رقم: (6401) . ص: (888) .
(2) صحيح البخاري؛ كتاب الأدب، باب: (44) ما يُنهى عن السباب واللعن. الحديث رقم: (6046) . ص: (844) .