…تضمّنت السنة النبوية المطهّرة توجيهات قيّمة اتّضح فيها سماتٌ للتخاطب، رفيعة المستوى، أرشدت إلى أن نهج التخاطب في الإسلام قائمٌ على أسس واضحة ترفع قدره، وتُعلي شأنه؛ مما يُشير إلى أن هذا النهج هو نهج حضاري متقدِّم.
…ففي سنّة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، توجيهات ومواقف حافِلةٌ بتقنين سمات رفيعة لأدب التخاطب، وحُسْن الحديث؛ منها ما كان في أسلوبه الخاص، ومنها ما كان توجيهًا وبيانًا، ومنها ما كان وصفًا أو إقرارًا.
…أما ما كان في أسلوبه الخاص؛ فمنها حرصُه صلى الله عليه وسلم، على الإفهام بإعادة الحديث ثلاث مرات. وهو فعلٌ يُعبِّرُ عن سمة خطابية تربوية؛ يمكن تسميتها: (التكرار للإفهام) . وهو أسلوبٌ له أهميته في نظريات التربية.
…فعن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهَمَ عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلّمَ عليهم سلّم عليهم ثلاثًا) . (1) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ("قوله: عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان": أي من عادة النبي صلى الله عليه وسلم؛ والمراد أن أنسًا مخبِّر عما عرفَهُ من شأن النبي صلى الله عليه وسلم، وشاهده، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرَهُ بذلك قوله:"إذا تكلّم": قال الكرماني: مثل هذا التركيب يُشعر بالاستمرار عند الأصوليين") . (2) وإيضاحه هذا يؤكد حقيقة كون هذا الفعل سِمَة خطابية قيِّمة واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمواظبة على الشيء في سنته المطهرة دليل على أهمية ما واظب عليه."
(1) المرجع السابق؛ كتاب العلم، باب: (30) : من أعاد الحديث ثلاثًا ليُفهم عنه. الحديث رقم: (95) . ص: (22) .
(2) فتح الباري: (1/255) .