فهرس الكتاب
فإن قيل: الآية نص في نفي دين أحسن من دين هذا المسلم، لكن من أين أنه ليس دين مثله ؟ فإن الأقسام ثلاثة: إما أن يكون ثَمَّ دين أحسن منه، أو دونه، أو مثله، وقد ثبت أنه لا أحسن منه، فمن أين في الآية أنه لا دين مثله ؟ ونظيرها قوله: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين } [ فصلت: 33 ] .
قيل: لو قلنا في هذا المقام: إن الآية لم تدل إلا على نفي الأحسن لم يضر هذا؛ فإن الخطاب له مقامات، قد يكون الخطاب تارة بإثبات صلاح الدين، إذا كان المخاطب يدعى أو يظن فساده، ثم في مقام بأن يقع النزاع في التفاضل، فيبين أن غيره ليس أفضل منه، ثم في مقام ثالث يبين أنه أفضل من غيره، وهكذا إذا تكلمنا في أمر الرسول، ففي مقام نبين صدقه وصحة رسالته، وفى مقام بأن نبين أن غيره ليس أفضل منه، وفى مقام ثالث نبين أنه سيد ولد آدم، وذلك أن الكلام يتنوع بحسب حال المخاطب .
ثم نقول: يدل على أن هذا الدين أحسن وجوه:
أحدها: أن هذه الصيغة، وإن كانت في أصل اللغة لنفي الأفضل لدخول النفي على أفعل، فإنه كثيرًا ما يضمر بعرف الخطاب، يفضل المذكور المجرور بمن مفضلا عليه في الإثبات، فإنك إذا قلت: هذا الدين أحسن من هذا كان المجرور بمن مفضلا عليه، والأول مفضلا فإذا قلت: لا أحسن من هذا، أو: من أحسن من هذا ؟ أو ليس فيهم أفضل من هذا، أو: ما عندي أعلم من زيد، أو: ما في القوم أصدق من عمرو، أو: ما فيهم خير منه، فإن هذا التأليف يدل على أنه أفضلهم وأعلمهم وخيرهم، بل قد صارت حقيقة عرفية في نفي فضل الداخل في أفعل، وتفضيل المجرور على الباقين، وأنها تقتضي نفي فضلهم وإثبات فضله عليهم، وضمنت معنى الاستثناء، كأنك قلت: ما فيهم أفضل إلا هذا، أو ما فيهم المفضل إلا هذا، كما أن [ إن ] إذا كفت بما النافية صارت متضمنة للنفي والإثبات .