فهرس الكتاب

الصفحة 1185 من 2516

وإذا كان كذلك، فالإنسان كيف يخون نفسه، وهو لا يكتمها ما يقوله ويفعله سرًا عنها، كما يخون من لا يشهده من الناس، كما يخون الله والرسول إذا لم يشاهده، فلا يكون ممن يخاف اللّه بالغيب ؟ ولم خصت هذه الأفعال بأنها خيانة للنفس دون غيرها ؟ فالأشبه ـ والله أعلم ـ أن يكون قوله: { تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } مثل قوله: { إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } [ البقرة: 130 ] .

والبصريون يقولون في مثل هذا: إنه منصوب على أنه مفعول له، ويخرجون قوله: { سّفٌهّ } عن معناه في اللغة، فإنه فعل لازم، فيحتاجون أن ينقلوه من اللزوم إلى التعدية بلا حجة .

وأما الكوفيون ـ كالفراء وغيره ومن تبعهم، فعندهم أن هذا منصوب على التمييز، وعندهم أن المميز قد يكون معرفة كما يكون نكرة، وذكروا لذلك شواهد كثيرة من كلام العرب، مثل قولهم: ألم فلان رأسه، ووجع بطنه، ورشد أمره . وكان الأصل: سفهت نفسه،ورشد أمره . ومنه قولهم: غبن رأيه، وبطرت نفسه، فقوله تعالى: { بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } [ القصص: 58 ] ، من هذا الباب، فالمعيشة نفسها بطرت، فلما كان الفعل . . . [ بياض بالأصل ] نصبه على التمييز، قال تعالى: { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ } [ الأنفال: 47 ] ، فقوله: { سَفِهَ نَفْسَهُ } معناه: إلا من سفهت نفسه، أى كانت سفيهة، فلما أضاف الفعل إليه نصبها على التمييز، كما في قوله: { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا } [ مريم: 4 ] ، ونحو ذلك . وهذا اختيار ابن قُتَيْبَة وغيره، لكن ذاك نكرة وهذا معرفة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت