وهذا الذى قاله الكوفيون أصح في اللغة والمعنى؛ فإن الإنسان هو السفيه نفسه، كما قال تعالى: { سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ } [ البقرة: 142 ] ، { وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء } [ النساء: 5 ] ، فكذلك قوله: { تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } أى: تختان أنفسكم، فالأنفس هى التى اختانت، كما أنها هى السفيهة . وقال: اختانت، ولم يقل: خانت؛ لأن الافتعال فيه زيادة فعل على ما في مجرد الخيانة . قال عكرمة: والمراد بالذين يختانون أنفسهم: ابن أُبَيْرِق الذى سرق الطعام والقماش، وجعل هو وقومه يقولون: إنما سرق فلان لرجل آخر .
فهؤلاء اجتهدوا في كتمان سرقة السارق، ورمى غيره بالسرقة، كما قال تعالى: { يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ } [ النساء: 108 ] ، فكانوا خائنين للصاحب والرسول وقد اكتسبوا الخيانة .
وكذلك الذين كانوا يجامعون بالليل، وهم يجتهدون في أن ذلك لا يظهر عنهم حين يفعلونه، وإن أظهروه فيما بعد عند التوبة، أما عند الفعل فكانوا يحتاجون من ستر ذلك وإخفائه ما لا يحتاج إليه الخائن وحده، أو يكون قوله: { تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } أى: يخون بعضكم بعضا، كقوله: { فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } [ البقرة: 54 ] ، وقوله: { ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } [ البقرة: 85 ] ، وقوله: { لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا } [ النور: 12 ] ، فإن السارق وأقوامًا خانوا إخوانهم المؤمنين .