فهرس الكتاب
في قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا } الآية [ يوسف: 110 ] قراءتان في هذه الآية: بالتخفيف والتثقيل . وكانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تقرأ بالتثقيل وتنكر التخفيف، كما في الصحيح عن الزهري قال: أخبرني عروة عن عائشة، قالت له ـ وهو يسألها عن قوله: { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } مخففة قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها . قلت: فما هذا النصر ـ { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ } بمن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك، لعمري لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن .
وفي الصحيح ـ أيضًا ـ عن ابن جُرَيجٍ سمعت ابن أبي مُلَيكَةَ يقول: قال ابن عباس: { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } ، خفيفة ذهب بها هنالك، وتلا: { حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ } [ البقرة: 214 ] ، فلقيت عروة فذكرت ذلك له، فقال: قالت عائشة: معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يكون، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى ظنوا خافوا أن يكون من معهم يكذبهم فكانت تقرؤها: ( وظنوا أنهم قد كذِّبوا ) مثقلة .
فعائشة جعلت استيأس الرسل من الكفار للمكذبين، وظنهم التكذيب من المؤمنين بهم، ولكن القراءة الأخري ثابتة لا يمكن إنكارها، وقد تأولها ابن عباس، وظاهر الكلام معه، والآية التي تليها إنما فيها استبطاء النصر، وهو قولهم: { مَتَى نَصْرُ اللّهِ } ، فإن هذه كلمة تبطيء لطلب التعجيل .