فهرس الكتاب
ولهذا ذهب الإمام أحمد في إحدي الروايتين المنصوصتين عنه: إلى أن من قذف امرأة محصنة كالأمة والذمية، ولها زوج أو ولد محصن حدَّ لقذفها، لما ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنين، والرواية الأخري عنه وهي قول الأكثرين أنه لا حد عليه؛ لأنه أذى لهما لا قذف لهما، والحد التام إنما يجب بالقذف، وفي جانب النبي صلى الله عليه وسلم أذي، كقذفه، ومن يقصد عيب النبي صلى الله عليه وسلم بعيب أزواجه فهو منافق، وهذا معني قول ابن عباس: اللعنة في المنافقين عامة .
وقد وافق ابن عباس جماعة، فروي الإمام أحمد والأَشَج عن خَصِيف / قال: سألت سعيد بن جبير، فقلت: الزنا أشد أو قذف المحصنة ؟ قال: لا، بل الزنا، قال: قلت: فإن الله ـ تعالي ـ يقول: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } [ النور: 23 ] ، فقال: إنما كان هذا في عائشة خاصة، وروي أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في هذه الآية: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } ، فقال: هذه الآية لأمهات المؤمنين خاصة، وروي الأشج بإسناده عن الضحاك في هذه الآية، قال: هن نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وقال معمر عن الكلبي: إنما عُنِي بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فأما من رمي امرأة من المسلمين فهو فاسق، كما قال الله ـ تعالي ـ أو يتوب .
ووجه هذا، أن لعنة الله في الدنيا والآخرة لا تستوجب بمجرد القذف، فتكون اللام في قوله: { الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } لتعريف المعهود، والمعهود هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الكلام في قصة الإفك، ووقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة، أو يقصر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك .