فهرس الكتاب
ويؤيد هذا القول: أن الله ـ سبحانه ـ رتب هذا الوعيد على قذف محصنات غافلات مؤمنات، وقال في أول السورة: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } الآية [ النور: 4 ] ، فرتب الحد ورد الشهادة والفسق على مجرد قذف المحصنات،فلابد أن يكون / المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات؛ وذلك ـ والله أعلم ـ لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مشهود لهن بالإيمان؛ لأنهن أمهات المؤمنين ، وهن أزواج نبيه في الدنيا والآخرة،وعوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان .
ولأن الله ـ سبحانه ـ قال في قصة عائشة: { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النور: 11 ] ، فتخصيصه متولي كبره دون غيره دليل على اختصاصه بالعذاب العظيم، وقال: { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النور: 14 ] ، فعلم أن العذاب العظيم لا يمس كل من قذف، وإنما يمس متولي كبره فقط، وقال هنا: { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النور: 23 ] ، فعلم أن الذي رمي أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، وتولي كبر الإفك، وهذه صفة المنافق ابن أبي ـ والله أعلم ـ أنه على هذا القول تكون هذه الآية حجة ـ أيضًا ـ موافقة لتلك الآية، لأنه لما كان رَمْي أمهات المؤمنين أذى للنبي صلى الله عليه وسلم لُعِنَ صاحبه في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال ابن عباس: ليس فيها توبة؛ لأن مؤذي النبي صلى الله عليه وسلم لا تقبل توبته، أو يريد إذا تاب من القذف حتي يسلم إسلامًا جديدًا، وعلي هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة، فإنه ما بغت امرأة نبي قط .