فهرس الكتاب
والجواب على هذا التقدير: أنه ـ سبحانه ـ قال هنا: { لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } [ النور: 23 ] ، على بناء الفعل للمفعول ولم يسَمَّ اللاعن، وقال في الآية الأخري: { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } [ الأحزاب: 57 ] ، وإذا لم يسم الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس، وجاز أن يلعنهم الله في وقت ويلعنهم بعض خلقه في وقت، وجاز أن الله يتولي لعنة بعضهم وهو من كان قذفه طعنًا في الدين، ويتولي خلقه لعنة الآخرين، وإذا كان اللاعن مخلوقًا فلعنه قد يكون بمعني / الدعاء عليهم، وقد يكون بمعني أنهم يبعدونهم عن رحمة الله .
ويؤيد هذا، أن الرجل إذا قذف امرأته تلاعنا وقال الزوج في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فهو يدعو على نفسه إن كان كاذبًا في القذف أن يلعنه الله، كما أمر الله رسوله أن يباهل مَنْ حاجه في المسيح بعد ما جاءه من العلم بأن يبتهلوا فيجعلوا لعنة الله على الكاذبين، فهذا مما يلعن به القاذف، ومما يلعن به أن يجلد، وأن ترد شهادته، ويفسق، فإنه عقوبة له وإقصاء له عن مواطن الأمن والقبول، وهي من رحمة الله، وهذا بخلاف من أخبر الله أنه لعنه في الدنيا والآخرة، فإن لعنة الله له توجب زوال النصر عنه من كل وجه، وبعده عن أسباب الرحمة في الدارين .