فهرس الكتاب
الفائدة الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل اللّه له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة، فإن في الأثر: الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله؛ ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله اللّه لمن عصاه، فإن اللّه جعل العزة لمن أطاعه، والذلة لمن عصاه . قال تعالى: { يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [ المنافقون: 8 ] ، وقال تعالى: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ آل عمران: 139 ] .
ولهذا كان في كلام الشيوخ: الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة اللّه . وكان الحسن البصرى يقول: وإن هَمْلَجَتْ [ هملج: مشى مشية سهلة في سرعة، حسن سير الدابة ] بهم البراذين [ البرذون: دابة معروفة ] ، وطقطقت بهم ذُلُل البغال، فإن ذل المعصية في رقابهم، أبى اللّه إلا أن يذل من عصاه، ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه بمعاصيه، وفى دعاء القنوت: ( إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت ) .
/ ثم الصوفية المشهورون عند الأمة ـ الذين لهم لسان صدق في الأمة ـ لم يكونوا يستحسنون مثل هذا، بل ينهون عنه، ولهم في الكلام في ذم صحبة الأحداث، وفى الرد على أهل الحلول، وبيان مباينة الخالق: ما لا يتسع هذا الموضع لذكره . وإنما استحسنه من تشبه بهم ممن هو عاص أو فاسق أو كافر، فيتظاهر بدعوى الولاية للّه، وتحقيق الإيمان والعرفان، وهو من شر أهل العداوة للّه، وأهل النفاق والبهتان . واللّه ـ تعالى ـ يجمع لأوليائه المتقين خير الدنيا والآخرة، ويجعل لأعدائه الصفقة الخاسرة . واللّه ـ سبحانه ـ أعلم .