والمقْسَم عليه ثلاث جمل: { مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } [ القلم: 2 ] ، { وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ } [ القلم: 3 ] ، { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } سلب عنه النقص الذي يقدح فيه، وأثبت له الكمال المطلوب في الدنيا والآخرة، وذلك أن الذي أتي به إما أن يكون حقًا أو باطلًا، وإذا كان باطلا فإما أن يكون مع العقل أو عدمه، فهذه الأقسام الممكنة في نظائر هذا .
/ الأول: أن يكون باطلا ولا عقل له، فهذا مجنون لا ذم عليه ولا يتبع .
الثاني: أن يكون باطلا وله عقل، فهذا يستحق الذم والعقاب .
الثالث: أن يكون حقًا مع العقل، فنفي عنه الجنون أوَّلا، ثم أثبت له الأجر الدائم الذي هو ضد العقاب، ثم بين أنه علي خلق عظيم، وذلك يبين عِظَمَ الحق الذي هو عليه بعد أن نفي عنه البطلان .
وأيضًا، فالناس نوعان: إما معذب، وإما سليم منه . والسليم ثلاثة أقسام: إما غير مكلف، وإما مكلف قد عمل صالحًا: مقتصدًا، وإما سابق بالخيرات . فجعل القسم مرتبًا علي الأحوال الثلاثة ليبين أنه أفضل قِسْم السعداء، وهذا غاية كمال السابقين بالخيرات، وهذا تركيب بديع في غاية الإحكام .
ثم قال: { فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ } الآيات [ القلم: 8 ] ؛ فتضمن أصلين:
أحدهما: أنه نهاه عن طاعة هذين الضربين، فكان فيه فوائد:
منها: أن النهي عن طاعة المرء، نهي عن التشبه به بالأولى، فلا / يطاع المكذب والحلاف، ولا يعمل بمثل عملهما، كقوله: { وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } [ الأحزاب: 1 ] وأمثاله، فإن النهي عن قبول قول من يأمر بالخُلُقِ الناقص أبلغ في الزجر من النهي عن التخلق به .
ومنها: أن ذلك أبلغ في الإكرام والاحترام، فإن قوله: لاتكذب، ولا تحلف، ولا تشتم، ولا تهمز، ليس هو مثل قوله: لا تطع من يكون متلبسًا بهذه الأخلاق؛ لما فيه من تشريفه وبراءته .