ومنها: أن الأخلاق مكتسبة بالمعاشرة؛ ففيه تحذير عن اكتساب شيء من أخلاقهم بالمخالطة لهم، فليأخذ حذره، فإنه محتاج إلى مخالطتهم لأجل دعوتهم إلى الله ـ تعالى .
ومنها: أنهم يبْدُون مصالح فيما يأمرون به، فلا تطع من كان هكذا ولو أبداها، فإن الباعث لهم علي ما يأمرون به هو ما في نفوسهم من الجهل والظلم، وإذا كان الأصل المقْتَضِي للأمر فاسدًا، لم يقبل من الآمر، فإن الأمر مداره علي العلم بالمصلحة وإرادتها، فإذا كان جاهلا لم يعلم المصلحة، وإذا كان الخلق فاسدًا لم يردها؛ وهذا معني بليغ .
/ الأصل الثاني: أنه ذكر قسمين: المكذبين، وذوي الأخلاق الفاسدة، وذلك لوجوه:
أحدها: أن المأمور به هو الإيمان والعمل الصالح، فضده التكذيب والعمل الفاسد .
والثاني: أن المؤمنين مأمورون بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فكما أنا مأمورون بقبول هذه الوصية والإيصاء بها، فقد نهينا عن قبول ضدها، وهو التكذيب بالحق والترك للصبر، فإن هذه الأخلاق إنما تحصل لعدم الصبر، والصبر ضابط الأخلاق المأمور بها؛ ولهذا ختم السورة به، وقال: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا } [ فصلت: 35 ] فكان في سورة العصر ما بَين هنا، فنهاه عن طاعة الذي في خسر، ضد الذي للمؤمنين الآمرين بالحق والصبر، والذي في خسر هو الكذاب المهين، فهو تارك للحق والصبر .