فهرس الكتاب
وأما قوله تعالى: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ } [ غافر: 13 ] ، فهو حق كما قال . فإن المتذكر إما أن يتذكر ما يدعو إلى الرحمة والنعمة والثواب كما يتذكر الإنسان ما يدعوه إلى السؤال فينيب، وإما أن يتذكر ما يقتضى الخوف والخشية فلابد له من الإنابة حينئذ لينجو مما يخاف .
ولهذا قيل في فرعون: { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ } فينيب، { أَوْ يَخْشَى } . / وكذلك قال له موسى { فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } [ النازعات: 18، 19 ] ، فجمع موسى بين الأمرين لتلازمهما .
وقال في حق الأعمى: { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى } [ عبس: 3، 4 ] . فذكر الانتفاع بالذكرى، كما قال: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الذاريات: 55 ] .
والنفع نوعان: حصول النعمة، واندفاع النقمة . ونفس اندفاع النقمة نفع وإن لم يحصل معه نفع آخر، ونفس المنافع التي يخاف معها عذاب نفع، وكلاهما نفع . فالنفع تدخل فيه الثلاثة، والثلاثة تحصل بالذكرى، كما قال تعالى { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } ، وقال: { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى } .