فهرس الكتاب
وكان طائفة من السلف إذا أدوا صدقة الفطر قبل صلاة العيد يتأولون بهذه الآية . وكان بعض السلف ـ أظنه يزيد بن أبي حبيب ـ [ هو أبو رجاء يزيد بن سويد الأزدي بالولاء المصري، مفتي أهل مصر في صدر الإسلام، وأول من أظهر علوم الدين والفقه بها، قال الليث: يزيد عالمنا وسيدنا، كان نوبيًا أسود، أصله من دنقلة، وفي ولادته للأزد ونسبته إليهم أقوال، وكان حجة حافظًا للحديث، توفي سنة 821 هـ ] يستحب أن يتصدق أمام كل صلاة؛ لهذا المعنى .
ولما قدم الله الصلاة على النحر في قوله: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } [ الكوثر: 2 ] ، وقدم التزكي على الصلاة في قوله: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } [ الأعلى: 14، 15 ] كانت السنة أن الصدقة قبل الصلاة في عيد الفطر، وأن الذبح بعد الصلاة في عيد النحر .
ويشبه ـ واللّه أعلم ـ أن يكون الصوم من التزكي المذكور في الآية . فإن اللّه يقول { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة: 183 ] . فمقصود الصوم التقوى، وهو من معنى التزكي .
وفي حديث ابن عباس: ( فرض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ) . / فالصدقة من تمام طهرة الصوم . وكلاهما تزكٍ متقدم على صلاة العيد .
فجمعت هاتان الكلمتان الترغيب فيما أمر اللّه به من الإيمان والعمل الصالح . وفي قوله: { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } ، الإيمان باليوم الآخر .
وهذه الأصول المذكورة في قوله: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة: 62 ] .