فهرس الكتاب

الصفحة 1769 من 2516

وإبليس هو أول من عادى الله، وطغى في خَلْقِه وأمره، وعارض النص بالقياس . ولهذا يقول بعض السلف: أول من قاس إبليس . فإن الله أمره بالسجود لآدم، فاعترض على هذا الأمر بأنى خير منه، وامتنع من السجود . فهو أول من عادى الله، وهو الجاهل الظالم؛ الجاهل بما في أمر الله من الحكمة، الظالم باستكباره الذي جمع فيه بين بطر الحق وغمط الناس .

ثم قوله لربه: [ فبما أغويتني لأفعلن ] ، جعل فعل الله ـ الذي هو إغواؤه له ـ حجة له، وداعيًا إلى أن يغوى ابن آدم . وهذا طَعْنٌ منه في فعل الله وأمره، وَزْعم منه أنه قبيح، فأنا أفعل القبيح ـ أيضًا . فقاس نفسه على ربه، ومَثَّلَ نفسه بربه .

ولهذا كان مضاهيًا للربوبية، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن إبليس ينصب عرشه على البحر، ثم يبعث سراياه، فأعظمهم فتنة أقربهم إليه منزلة . فيجىء الرجل فيقول: مازلت به حتى فعل كذا . ثم يجيء الآخر فيقول: مازلت به حتى فرقت بينه وبين زوجته، فيلتزمه ويدنيه منه، ويقول: أنت أنت ) .

/ والقدرية قصدوا تنزيه الله عن السفه، وأحسنوا في هذا القصد . فإنه ـ سبحانه ـ مُقَدَّسٌ عما يقول الظالمون ـ من إبليس وجنوده ـ علوًا كبيرًا، حَكَمٌ، عَدْلٌ . لكن ضاق ذرعهم، وحصل عندهم نوع جهل اعتقدوا معه أن هذا التنزيه لا يتم إلا بأن يسلبوه قدرته على أفعال العباد، وخلقه لها، وشمول إرادته لكل شيء . فناظروا إبليس وحزبه في شيء، واستحوذ عليهم إبليس من ناحية أخرى .

وهذا من أعظم آفات الجدال في الدين بغير علم أو بغير الحق وهو الكلام الذي ذمه السلف، فإن صاحبه يرد باطلًا بباطل وبدعة ببدعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت