فهرس الكتاب

الصفحة 1773 من 2516

وهنا كلا الطائفتين المختلفتين المفترقتين مذمومة . وهذا شأن عامة / الافتراق والاختلاف في هذه الأمة وغيرها . وهذا من ذلك . فإنهم اشتركوا في أن كون الرب خالقًا لفعل العبد ينافي كون فعله منقسمًا إلى حسن وقبيح . وهذه المقدمة اشتركوا فيها ـ جدلا ـ من غير أن تكون حقًا في نفسها أو عليها حجة مستقيمة .

وهى إحدى المقدمتين التي يعتمدها الرازي في مسألة التحسين والتقبيح . فإنه اعتقد في [ محصوله ] وغيره على أن العبد مجبور على فعله، والمجبور لا يكون فعله قبيحًا، فلا يكون شيء من أفعال العباد قبيحًا .

وهذه الحجة بنفي ذلك أصلها حجة المشركين المكذبين للرسل، الذين قالوا: { لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ } [ الأنعام: 148 ] ، فإنهم نفوا قبح الشرك وتحريم ما لم يحرمه الله من الطيبات بإثبات القدر .

لكن هؤلاء الذين يحتجون بالجبر على نفي الأحكام، إذا أقروا بالشرع لم يكونوا مثل المشركين من كل وجه . ولهذا لم يكن المتكلمون المقرون بالشريعة كالمشركين، وإن كان فيهم جزء من باطل المشركين .

لكن يوجد في المتكلمين والمتصوفة طوائف يغلب عليهم الجبر حتى / يكفروا ـ حينئذ ـ بالأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب، إما قولا، وإما حالا وعملا . وأكثر ما يقع ذلك في الأفعال التي توافق أهواءهم، يطلبون بذلك إسقاط اللوم والعقاب عنهم، ولا يزيدهم ذلك إلا ذمًا وعقابًا كالمستجير من الرمضاء بالنار .

فإن هذا القول لا يطرد العمل به لأحد، إذ لا غنى لبنى آدم ـ بعضهم من بعض ـ من إرادة شيء والأمر به، وبغض شيء والنهي عنه . فمن طلب أن يسوى بين المحبوب والمكروه، والمرضى والمسخوط، والعدل والظلم، والعلم والجهل، والضلال والهدى، والرشد والغى، فإنه لا يستمر على ذلك أبدًا . بل إذا حصل له ما يكرهه ويؤذيه فر إلى دفع ذلك، وعقوبة فاعله بما قدر عليه حتى يعتدي في ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت