فهرس الكتاب

الصفحة 1843 من 2516

وهذا عكس ما يقال: [ من عرف نفسه عرف ربه ] . وبعض الناس يروى هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم، وليس هذا من كلام النبى صلى الله عليه وسلم، ولا هو في شيء من كتب الحديث، ولا يعرف له إسناد .

ولكن يروى في بعض الكتب المتقدمة ـ إن صح ـ ( يا إنسان، اعرف نفسك، تعرف ربك ) . وهذا الكلام سواء كان معناه صحيحا أو فاسدًا لا يمكن الاحتجاج بلفظه، فإنه لم يثبت عن قائل معصوم . لكن إن فسر بمعنى صحيح عرف صحة ذلك المعنى، سواء دل عليه هذا اللفظ أو لم يدل .

وإنما القول الثابت ما في القرآن، وهو قوله: { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ } . فهو يدل على أن نسيان الرب موجب لنسيان النفس .

وحينئذ،فمن ذكر الله ولم ينسه، يكون ذاكرًا لنفسه،فإنه لو / كان ناسيا لها ـ سواء ذكر الله أو نسيه ـ لم يكن نسيانها مسببا عن نسيان الرب . فلما دلت الآية على أن نسيان الإنسان نفسه مسبب عن نسيانه لربه، دل على أن الذاكر لربه لا يحصل له هذا النسيان لنفسه .

والذكر يتضمن ذكر ما قد علمه، فمن ذكر ما يعلمه من ربه ذكر ما يعلمه من نفسه . وهو قد ولد على الفطرة التي تقتضى أنه يعرف ربه ويحبه ويوحده . فإذا لم ينس ربه الذي عرفه، بل ذكره على الوجه الذي يقتضي محبته ومعرفته وتوحيده، ذكر نفسه، فأبصر ما كان فيها قبل من معرفة الله ومحبته وتوحيده .

وأهل البدع ـ الجهمية ونحوهم ـ لما أعرضوا عن ذكر الله ـ الذكر المشروع الذي كان في الفطرة وجاءت به الشرعة، الذي يتضمن معرفته ومحبته وتوحيده ـ نسوا الله من هذا الوجه . فأنساهم أنفسهم من هذا الوجه، فنسوا ما كان في أنفسهم من العلم الفطري، والمحبة الفطرية، والتوحيد الفطري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت