فهرس الكتاب

الصفحة 1844 من 2516

وقد قال طائفة من المفسرين: { نَسُواْ اللّهَ } ، أي: تركوا أمر الله { فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ } ، أى: حظوظ أنفسهم حيث لم يقدموا لها خيرًا، هذا لفظ طائفة ـ منهم البغوى ـ ولفظ آخرين ـ منهم ابن الجوزي ـ: حين لم يعملوا بطاعته . وكلاهما قال: { نَسُواْ اللّهَ } أى: تركوا أمر الله .

/ ومثل هذا التفسير يقع كثيرًا في كلام من يأتى بمجمل من القول يبين معنى دلت عليه الآية ولا يفسرها بما يستحقه من التفسير . فإن قولهم: [ تركوا أمر الله ] . هو تركهم للعمل بطاعته، فصار الأول هو الثاني . والله ـ سبحانه ـ قال: { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ } [ الحشر: 19 ] ، فهنا شيئان: نسيانهم لله، ثم نسيانهم لأنفسهم الذي عوقبوا به .

فإن قيل: هذا الثاني هو الأول لكنه تفصيل مجمل، كقوله: { وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ } [ الأعراف: 4 ] ، وهذا هو هذا، قيل: هو لم يقل: [ نسوا الله فنسوا حظ أنفسهم ] حتى يقال: هذا هو هذا، بل قال: { نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ } ، فثم إنساء منه لهم أنفسهم . ولو كان هذا هو الأول لكان قد ذكر ما يعذرهم به، لا ما يعاقبهم به .

فلو كان الثاني هو الأول لكان: { نَسُواْ اللّهَ } ، أي: تركوا العمل بطاعته، فهو الذي أنساهم ذلك . ومعلوم فساد هذا الكلام لفظًا ومعنى .

ولو قيل: { نَسُواْ اللّهَ } ، أى: نسوا أمره، { فَأَنسَاهُمْ } العمل بطاعته، أى: تذكرها، لكان أقرب، ويكون النسيان الأول على بابه . فإن من نسى نفس أمر الله لم يطعه .

/ ولكن هم فسروا نسيان الله بترك أمره . وأمره الذي هو كلامه ليس مقدورًا لهم حتى يتركوه، إنما يتركون العمل به، فالأمر بمعنى المأمور به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت