فهرس الكتاب

الصفحة 1850 من 2516

وكذلك قوله: { خَلَقَ } فإن الخالق قديم أزلى، مستغن بنفسه، واجب الوجود بنفسه، قيوم . ومعلوم أنه أحق بصفات الكمال من المخلوق المحدث الممكن .

فهذا من جهة قياس الأولى . ومن جهة الأثر، فإن الخالق لغيره / الذي جعله حيًا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا، هو أولى بأن يكون حيا عالمًا قديرًا سميعًا بصيرًا .

و { الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } [ العلق: 3 ـ 5 ] . فجعله عليمًا، والعليم لا يكون إلا حيًا . وكرمه ـ أيضًا ـ أن يكون قديرًا سميعًا بصيرًا . والأكرم الذي جعل غيره عليمًا هو أولى أن يكون عليمًا . وكذلك في سائر صفات الكمال والمحامد .

فهذا استدلال بالمخلوق الخاص، والأول استدلال بجنس الخلق؛ ولهذا دل هذا على ثبوت الصفات بالضرورة من غير تكلف، وكذلك طريقة التفضيل والأولى، وأن يكون الرب أولى بالكمال من المخلوق .

وهذه الطرق لظهورها يسلكها غير المسلمين من أهل الملل وغيرهم كالنصارى، فإنهم أثبتوا أن الله قائم بنفسه حتى يتكلم بهذه الطريق، لكن سموه [ جوهرًا ] ، وضلوا في جعل الصفات ثلاثة، وهي الأقانيم .

فقالوا: وجدنا الأشياء تنقسم إلى جوهر وغير جوهر، والجوهر أعلى النوعين، فقلنا: هو جوهر . ثم وجدنا الجوهر ينقسم إلى حى وغير حي، ووجدنا الحى أكمل، فقلنا: هو حي . ووجدنا الحى ينقسم إلى: ناطق وغير ناطق، فقلنا: هو ناطق .

/ وكذلك يقال لهم في سائر صفات الكمال: إن الأشياء تنقسم إلى قادر وغير قادر، والقادر أكمل . وقد بسط ما في كلامهم من صواب وخطأ في الكتاب الذي سميناه: [ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ] .

والمقصود ـ هنا ـ التنبيه على دلالة هذه الآية ـ وهذه الآيات التي هي أول ما نزل ـ على أصول الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت