فهرس الكتاب
وقوله: { عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ، يدل على قدرته على تعليم الإنسان ما قد علَّمَه، مع كون جنس الإنسان فيه أنواع من النقص . فإذا كان قادرًا على ذلك التعليم فقدرته على تعليم الأنبياء ما علمهم أولى وأحرى . وذلك يدخل في قوله: { عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ، فإن الأنبياء من الناس .
فقد دلت هذه الآيات على جميع الأصول العقلية، فإن إمكان النبوات هو آخر ما يعلم بالعقل .
وأما وجود الأنبياء وآياتهم، فيعلم بالسمع المتواتر، مع أن قوله: { عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ، يدخل فيه إثبات تعليمه للأنبياء ما علَّمهم، فهي تدل على الإمكان والوقوع .
/ وقد ذكرنا ـ في مواضع ـ أن تنزيهه يرجع إلى أصلين:
تنزيهه عن النقص المناقض لكماله . فما دل على ثبوت الكمال له فهو يدل على تنزهه عن النقص المناقض لكماله .
وهذا مما يبين أن تنزهه عن النقص معلوم بالعقل، بخلاف ما قال طائفة من المتكلمين إن ذلك لا يعلم إلا بالسمع .
وقد بينا في ـ غير هذا الموضع ـ أن الطرق العقلية التي سلكوها من الاستدلال بالأعراض على حدوث الأجسام لا تدل على إثباته، ولا على إثبات شيء من صفات الكمال، ولا على تنزهه عن شيء من النقائص . فليس عند القوم ما يحيلون به عنه شيئًا من النقائص .
وهم معترفون بأن الأفعال يجوز عليه منها كل شيء بخلاف الصفات . لكن طريقهم في الصفات فاسد متناقض، كما قد بسط في غير هذا الموضع .
الثاني: أنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال .
والقرآن مملوء بإثبات هذين الأصلين ـ بإثبات صفات الكمال على وجه التفصيل، وتنزيهه عن التمثيل ـ سبحانه وتعالى ـ عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا .
فصل
وقوله: { بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [ العلق: 1 ] ، وقوله: { عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } [ العلق: 4، 5 ] ، يدل على إثبات أفعاله وأقواله .