فهرس الكتاب

الصفحة 1854 من 2516

فيقال لهم: القدرة لا تكون إلا مع إمكان المقدور، إذا كانت القدرة دائمة، فهل كان يمكنه أن يفعل المقدور دائمًا ؟ وهم يقولون: لا، بل الإمكان ـ إمكان الفعل ـ حادث . وهذا يناقض إثبات القدرة، وإن قالوا: بل الإمكان حاصل، تبين أنه لم يزل الفعل ممكنا فثبت إمكان وجود ما لا يتناهي من مقدور الرب .

وحينئذ، فإذا كان لم يزل قادرًا، والفعل ممكنًا، وهذا الممكن قد وجد، فما لا يزال، فالموجب لوجود جنس المقدور، ـ كالإرادة ـ مثلا، إما أن يكون وجودها في الأزل ممتنعًا، فيلزم امتناع الفعل، وقد بينا أنه ممكن .

وأيضًا، إذا كان وجودها ممتنعًا، لم يزل ممتنعًا؛ لأنه لا شيء هناك يجعلها ممكنة، فضلًا عن أن تكون موجودة . ومعلوم أن وجودها بعد أن لم تكن، لابد له من موجب . وإذا كان وجودها في الأزل ممكنًا، فوجود هذا الممكن لا يتوقف على غير ذاته، وذاته كافية في حصوله . فيلزم أنه لم يزل مريدًا .

وهكذا في جميع صفات الكمال متي ثبت إمكانها في الأزل، لزم / وجودها في الأزل . فإنها لو لم توجد لكانت ممتنعة، إذ ليس في الأزل شيء سوي نفسه يوجب وجودها . فإذا كانت ممكنة والمقتضي التام لها نفسه لزم وجوبها في الأزل .

وهذا مما يدل على أنه لم يزل حيًا، عليمًا، قديرًا، مريدًا، متكلمًا فاعلًا؛ إذ لا مقتضي لهذه الأشياء إلا ذاته، وذاته وحدها كافية في ذلك . فيلزم قدم النوع، وأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، لكن أفراد النوع تحصل شيئًا بعد شيء بحسب الإمكان والحكمة .

ولهذا قد بين في مواضع أنه ليس في نفس الأمر ممكن يستوي طرفًا وجوده وعدمه، بل إما أن يحصل المقتضي لوجوده فيجب، أو لا يحصل فيمتنع . فما اتصف به الرب، فاتصافه به واجب . وما لم يتصف به،فاتصافه به ممتنع . وما شاء،كان ووجب وجوده . وما لم يشأ، لم يكن وامتنع وجوده . فالممكن مع مرجحه التام واجب وبدونه ممتنع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت