فهرس الكتاب

الصفحة 1885 من 2516

فكل من اتبع المتشابه على هذا الوجه فهو مذموم . وهو حال من يريد أن يشكك الناس فيما علموه لكونه وإياهم لم يفهموا ما توهموا أنه يعارضه . هذا أصل الفتنة ـ أن يترك المعلوم لغير معلوم . كالسفسطة التي تورث شبها يقدح بها فيما علم وتيقن . فهذه حال من يفسد قلوب الناس وعقولهم بإفساد ما فيها من العلم والعمل ـ أصل الهدي، فإذا شككهم فيما علموه بقوا حيارى .

والرسول صلى الله عليه وسلم قد أتي بالآيات البينات الدالة على / صدقه، والقرآن فيه الآيات المحكمات اللاتي هي أم الكتاب قد علم معناها وعلم أنها حق،وبذلك يهتدي الخلق وينتفعون .

فمن اتبع المتشابه ابتغي الفتنة وابتغي تأويله ـ والأول قصدهم فيه فاسد، والثاني ليسوا من أهله، بل يتكلمون في تأويله بما يفسد معناه إذ كانوا ليسوا من الراسخين في العلم .

وإنما الراسخ في العلم الذي رسخ في العلم بمعني المحكم، وصار ثابتا فيه لا يشك ولا يرتاب فيه بما يعارضه من المتشابه، بل هو مؤمن به، قد يعلمون تأويل المتشابه .

وأما من لم يرسخ في ذلك بل إذا عارضه المتشابه شك فيه فهذا يجوز أن يراد بالمتشابه ما يناقض المحكم، فلا يعلم معني المتشابه، إذ لم يرسخ في العلم بالمحكم . وهو يبتغي الفتنة في هذا وهذا . فهذا يعاقب عقوبة تردعه، كما فعل عمر بصَبِيغ .

وأما من قصده الهدي والحق، فليس من هؤلاء . وقد كان عمر يسأل ويسأل عن معاني الآيات الدقيقة، وقد سأل أصحابه عن قوله: { إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } [ النصر: 1 ] ، فذكروا ظاهر لفظها . ولما فسرها ابن عباس بأنها إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بقرب وفاته قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم .

/ وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها . فإنه لما أمر بالاستغفار عند ظهور الدين، والاستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال، وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة، علموا أنه إعلام بقرب الأجل مع أمور أُخر . وفوق كل ذي علم عليم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت