فهرس الكتاب

الصفحة 1884 من 2516

/ وهذا على وجهين؛ إما أن يريد أن يكتم شيء مما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم عن جميع الناس فهذا من الكتمان المجرد الذي ذم الله عليه . وهذه حال أهل الكتاب . وعاب الذين يكتمون ما بينه للناس من البينات والهدي من بعد ما بينه للناس في الكتاب . وقال: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ } [ البقرة: 140 ] .

وهذه حال أهل الكتاب في كتمان ما في كتابهم من الألفاظ يتأولها بعضهم . ويجعلها بعضهم متشابها . وهي دلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك . فإن ألفاظ التوراة والإنجيل وسائر كتب الأنبياء ـ وهي بضع وعشرون كتابا عند أهل الكتاب ـ لا يمكنهم جحد ألفاظها، لكن يحرفونها بالتأويل الباطل، ويكتمون معانيها الصحيحة عن عامتهم، كما قال تعالى: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ } [ البقرة: 78 ] .

فمن جعل أهل القرآن كذلك، وأمرهم أن يكونوا فيه أميين لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة، فقد أمرهم بنظير ما ذم الله عليه أهل الكتاب .

وصَبيغ بن عَسْل التميمي إنما ضربه عمر؛ لأنه قصد باتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله . وهؤلاء الذين عابهم الله في كتابه لأنهم / جمعوا شيئين؛ سوء القصد، والجهل . فهم لا يفهمون معناه ويريدون أن يضربوا كتاب الله بعضه ببعض ليوقعوا بذلك الشبهة والشك . وفي الصحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم ) .

فهذا فعل من يعارض النصوص بعضها ببعض ليوقع الفتنة ـ وهي الشك والريب ـ في القلوب، كما روي أنه خرج على القوم وهم يتجادلون في القدر، هؤلاء يقولون: ألم يقل الله كذا ؟ وهؤلاء يقولون: ألم يقل الله كذا ؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، ثم قال: ( أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ؟ انظروا ما أمرتم به فافعلوه ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت