فهرس الكتاب

الصفحة 1889 من 2516

قلت: أما كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ونزوله، فهذا أمر ضروري متفق عليه بين علماء السنة ومن له عقل . فإن الصفات والأفعال تتبع الذات المتصفة الفاعلة . فإذا كانت ذاته مباينة لسائر الذوات، ليست مثلها، لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها . ونسبة صفاته إلى ذاته، كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته . ولا ريب أنه العلي الأعلى العظيم، فهو أعلى من كل شيء، وأعظم من كل شيء . فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر . هذا ممتنع .

وأما لفظ [ الزوال ] و [ الانتقال ] فهذا اللفظ مجمل، ولهذا كان / أهل الحديث والسنة فيه على أقوال .

فعثمان بن سعيد الدارمي وغيره، أنكروا على الجهمية قولهم: إنه لا يتحرك، وذكروا أثرًا أنه لا يزول، وفسروا الزوال بالحركة . فبين عثمان بن سعيد أن ذلك الأثر ـ إن كان صحيحًا ـ لم يكن حجة لهم؛ لأنه في تفسير قوله: { الْحَيُّ الْقَيُّومُ } [ البقرة: 255 ] ، ذكروا عن ثابت: دائم باق لا يزول عما يستحقه، كما قال ابن إسحاق: لا يزول عن مكانته .

قلت: والكَلْبي بنفسه الذي روي هذا الحديث هو يقول: { اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } : استقر، ويقول: { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء } : صعد إلى السماء .

وأما [ الانتقال ] فابن حامد وطائفة يقولون: ينزل بحركة وانتقال . وآخرون من أهل السنة ـ كالتميمي من أصحاب أحمد ـ أنكروا هذا وقالوا: بل ينزل بلا حركة وانتقال . وطائفة ثالثة، كابن بطة وغيره ـ يقفون في هذا .

وقد ذكر الأقوال الثلاثة القاضي أبو يعلى في كتاب [ اختلاف الروايتين والوجهين ونفي اللفظ بمجمله ] .

والأحسن في هذا الباب، مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما / أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه . وهو أن يثبت النزول، والإتيان، والمجيء، وينفي المثل، والسمي، والكفؤ، والند .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت