فهرس الكتاب

الصفحة 1890 من 2516

وبهذا يحتج البخاري وغيره على نفي المثل . يقال: ينزل نزولا ليس كمثله شيء، نزل نزولا لا يماثل نزول المخلوقين ـ نزولا يختص به، كما أنه في ذلك وفي سائر ما وصف به نفسه ليس كمثله شيء في ذلك . وهو منزه أن يكون نزوله كنزول المخلوقين، وحركتهم، وانتقالهم، وزوالهم مطلقًا ـ لا نزول الآدميين ولا غيرهم .

فالمخلوق إذا نزل من علو إلى سفل، زال وصفه بالعلو وتبدل إلى وصفه بالسفول، وصار غيره أعلى منه .

والرب ـ تعالى ـ لا يكون شيء أعلى منه قط، بل هو العلي الأعلى ولا يزال هو العلي الأعلى مع أنه يقرب إلى عباده ويدنو منهم، وينزل إلى حيث شاء، ويأتي كما شاء . وهو في ذلك العلي الأعلى، الكبير المتعالى، على في دنوه، قريب في علوه .

فهذا ـ وإن لم يتصف به غيره ـ فلعجز المخلوق أن يجمع بين هذا وهذا . كما يعجز أن يكون هو الأول والآخر، والظاهر والباطن .

/ ولهذا قيل لأبي سعيد الخَرَّاز: بم عرفت الله ؟ قال: [ بالجمع بين النقيضين ] . وأراد أنه يجتمع له ما يتناقض في حق الخلق، كما أجتمع له أنه خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها من الأعيان والأفعال ـ مع ما فيها من الخبث ـ وأنه عدل،حكيم، رحيم . وأنه يمكن من مكنه من عباده من المعاصي مع قدرته على منعهم، وهو في ذلك حكيم عادل . فإنه أعلم الأعلمين، وأحكم الحاكمين، وخير الفاتحين، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم .

فألا يحيطوا علما بما هو أعظم في ذلك أولي وأحري . وقد سألوا عن الروح فقيل لهم: { الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا } [ الإسراء: 85 ] . وفي الصحيحين، أن الخضر قال لموسى لما نقر عصفور في البحر: ( ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت