فهرس الكتاب
وقد ذكرنا في جواب [ المسائل التدمرية ] الملقب بـ [ تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وبيان حقيقة الجمع بين القدر والشرع ] ؛ أنه لا يجوز الاكتفاء ـ فيما ينزه الرب عنه ـ على عدم ورود السمع والخبر به فيقال: كل ماورد به الخبر أثبتناه، وما لم يرد به لم نثبته بل ننفيه . وتكون عمدتنا في النفي على عدم الخبر . / بل هذا غلط لوجهين:
أحدهما: أن عدم الخبر هو عدم دليل معين، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم إذا لم يخبر هو بالشيء أن يكون منتفيًا في نفس الأمر . ولله أسماء سمى بها نفسه واستأثر بها في علم الغيب عنده . فكما لا يجوز الإثبات إلا بدليل لا يجوز النفي إلا بدليل . ولكن إذا لم يرد به الخبر ولم يعلم ثبوته يسكت عنه فلا يتكلم في الله بلا علم .
الثانى: أن أشياء لم يرد الخبر بتنزيهه عنها، ولا بأنه منزه عنها، لكن دل الخبر على اتصافه بنقائضها فعلم انتفاؤها . فالأصل أنه منزه عن كل ما يناقض صفات كماله وهذا مما دل عليه السمع والعقل .
وما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه، وإلا سكتنا عنه . فلا نثبت إلا بعلم ولا ننفي إلا بعلم .
ونفي الشيء من الصفات وغيرها كنفي دليله طريقة طائفة من أهل النظر والخبر . وهي غلط إلا إذا كان الدليل لازمًا له . فإذا عدم اللازم، عدم الملزوم .
وأما جنس الدليل، فيجب فيه الطرد، لا العكس . فيلزم من وجود الدليل وجود المدلول عليه، ولا ينعكس .
/ فالأقسام ثلاثة: ما علم ثبوته أُثبت، وما علم انتفاؤه نفي، وما لم يعلم نفيه ولا إثباته سكت عنه . هذا هو الواجب . والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته .
ومن لم يثبت ما أثبته إلا بالألفاظ الشرعية التي أثبتها، وإذا تكلم بغيرها استفسر واستفصل، فإن وافق المعنى الذي أثبته الشرع أثبته باللفظ الشرعى، فقد اعتصم بالشرع لفظًا ومعنى . وهذه سبيل من اعتصم بالعروة الوثقى .