فهرس الكتاب

الصفحة 1906 من 2516

وكذلك إذا قيل: المتكلم السميع البصير إما أن يكون متكلمًا سميعًا بصيرًا بنفسه، وإما أن يكون غيره جعله سميعًا بصيرًا، متكلمًا . ومن جعل غيره متكلمًا سميعًا بصيرًا، فهو أولى أن يكون متكلمًا سميعًا بصيرًا، وإلا كان المفعول أكمل من الفاعل، فإن هذه صفات كمال .

وكذلك يقال: العادل؛ إما أن يكون عادلا بنفسه . والصادق؛ إما أن يكون صادقًا بنفسه، وإما أن يكون غيره جعله صادقًا عادلًا . ومن جعل غيره صادقًا عادلًا، فهو أولى أن يكون صادقًا عادلًا .

فهذه كلها طرق صحيحة بينة .

فإن قيل: يُعَارَضُ هذا بأن يقال: من جعل غيره ظالمًا أو كاذبًا فهو ـ أيضًا ـ ظالم كاذب، وأهل السنة يقولون: إنه جعل غيره كذلك ،/وليس هو كذلك ـ سبحانه، قيل: هذا باطل من وجهين:

أحدهما: أنه ليس كل من جعل غيره على صفة ـ أى صفة كانت ـ كان متصفًا بها، بل من جعل غيره على صفة من صفات الكمال فهو أولى باتصافه بصفة الكمال من مفعوله .

وأما صفات النقص، فلا يلزم إذا جعل الجاعل غيره ناقصًا أن يكون هو ناقصًا . فالقادر يقدر أن يعجز غيره ولا يكون عاجزًا . والحي يمكنه أن يقتل غيره ويميته ولا يكون ميتًا . والعالم يمكنه أن يُجَهِّل غيره ولا يكون جاهلًا . والسميع والبصير والناطق يمكنه أن يعمى غيره، ويصمه، ويخرصه، ولا يكون هو كذلك .

فلا يلزم ـ حينئذ ـ أن من جعل غيره ظالمًا وكاذبًا أن يكون كاذبًا وظالمًا؛ لأن هذه صفة نقص .

فإن قيل: الكاذب والظالم قد يلزم غيره بالصدق والعدل أحيانًا، قيل: هو لم يجعله صادقًا وعالمًا وإنما أمره بذلك، وهو فعل ذلك بنفسه . ولم نقل: كل من أمر غيره بشيء كان متصفًا بما أمر به غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت