فهرس الكتاب
الثانى: أن الظلم أمر نسبى إضافي، فمن أمر غيره أن يقتل شخصًا / فقتله هذا القاتل من غير جرم يعلمه كان ظالمًا، وإن كان ذلك الآمر إنما أمره به لكونه قد قتل أباه والمأمور لم يفعله لذلك . فلو فعله بطريق النيابة لم يكن ظالمًا . فإن كان له معه غرض فقتله ظلمًا، ولكن الآمر كان مستحقًا لقتله .
وكذلك من أمر غيره بماهو كذب من المأمور كأمر يوسف للمؤذن أن يقول: { أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } [ يوسف: 70 ] ، يوسف ـ عليه السلام ـ قصد: إنكم لسارقون يوسف من أبيه، وهو صادق في هذا . والمأمور قصد: إنكم لسارقون الصواع، وهو يظن أنهم سرقوه، فلم يكن متعمدًا للكذب، وإن كان خبره كذبًا .
والرب ـ تعالى ـ لا تقاس أفعاله بأفعال عباده . فهو يخلق جميع ما يخلقه لحكمة ومصلحة، وإن كان بعض ما خلقه فيه قبح، كما يخلق الأعيان الخبيثة ـ كالنجاسات وكالشياطين ـ لحكمة راجحة، وبسط هذا له موضع آخر .
والمقصود ـ هنا ـ أن دلائل إثبات الرب كثيرة جدًا . وهؤلاء الذين يزعمون أن المعقول يعارض خبر الرسول ـ الذين يقولون إنهم أثبتوا واجب الوجود، أو القديم، أو الصانع ـ هم لم يثبتوه، بل حججهم تقتضى نفيه وتعطيله، فهم نافون له . لا مثبتون له . وحججهم باطلة في/العقل، لا صحيحة في العقل .
والمعرفة بالله ليست موقوفة على أصولهم . بل تمام المعرفة موقوف على العلم بفساد أصولهم ـ وإن سموها [ أصول العلم والدين ] ـ فهي [ أصول الجهل وأصول دين الشيطان لا دين الرحمن ] . وحقيقة كلامهم: [ ترتيب الأصول في مخالفة الرسول والمعقول ] ، كما قال أصحاب النار: { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [ الملك: 10 ] ، فمن خالف الرسول فقد خالف السمع والعقل ـ خالف الأدلة السمعية والعقلية .
أما القائلون بواجب الوجود، فقد بينا في غير موضع أنهم لم يقيموا دليلًا على واجب الوجود .